إبحار في عواصف الحرف - أوان الورد قصة قصيرة - ربا أحمد ***
أوان الورد
قصة قصيرة بقلمي:
ربا
كان يضع الحطب في المدفأة الحجرية العتيقة.. الليلة شديدة البرودة، والمطر غزير. انتهى من تقليب النار ثم نهض فظهر طوله الفارع وجسده الرياضي وهو يخطو باتجاه مطبخه الصغير ليعد حساء يناسب هذا الطقس البارد…!
يداه تعملان بهدوء ولكن عقله كان في حالة استنفار مع قلبه… كلمات ذلك الدرويش مازالت تطن بأذنيه.. « ستتغير حياتك… ويتبدل حالك… ليلة… مجرد ليلة… بعدها يحين أوان الورد »
هز رأسه محاولا إبعاد ذاك الصوت العميق من اختراق أذنيه والتوغل في أعماقه مستعمرا حجرات قلبه ومعلنًا احتلالًا وقحًا لكل خلاياه.. هل هو سحر.. لا لا … أي سحر يا أوس…؟!
لم يكن أبدا ممن يصدقون هذيان الدراويش، ولكن ظهور ذلك العجوز أمامه من العدم هو ما يشغل تفكيره وبكلماته التي شغلت عقله وسكنت قلبه في سابقة هي الأولى من نوعها في حياة رجل مثله…!
مرت دقائق ليست بالقليلة وهو يحاول إبعاد صوت الدرويش عن عقله بدندنة مع اللحن القديم المنبعث من الجرامافون الخاص بوالدته حين اخترق اللحن صوت مزعج وكأنه طرق على باب الكوخ…!
توقفت يداه عن العمل، ولسانه عن الدندنة وهو يرهف السمع كي يتأكد أهو حقيقة أم مجرد وهم، ولم تمر لحظات حتى تأكد من حقيقة الطرق فغادر المطبخ سريعا وهو متعجب مما يحدث في تلك الليلة العجيبة.
وقف خلف الباب سائلا: من الطارق؟!
أتاه صوت ضعيف لم يفهم منه شيئا ففتح الباب فتحة صغيرة تمكنه من رؤية من بالخارج فاتسعت عيناه بصدمة لما رآه…!
كانت تقف أمام باب الكوخ كقطة مبللة، جسدها يرتعش، وأسنانها تصطك من شدة البرد. وبمجرد أن رأت الباب يفتح ويطل من خلفه وجه رجل دُهش لمرآها قالت بسرعة ودون أن يسأل: تعطل محرك سيارتي في الجوار، وحين رأيت الضوء الصادر من الكوخ أتيت لطلب المساعدة.
عُقد لسانه فلم يرد عليها، وانتظرت هي كي يقول شيئا فلم يفعل فتحدثت بحياء: آسفة جدا على إزعاجكم سيدي.. لكن ليس أمامي خيار غير طلب مساعدتك… هل تسمح لي بالدخول؟.. أشعر بأنني سأتجمد…
أخيرا حُلت عقدة لسانه ونطق: نعم… بالطبع… تفضلي بالدخول.
قالها وهو يفسح لها المجال فدلفت سريعا إلى الداخل. أغلق الباب وهو يهمس بداخله..(مؤكد هذا حلم وليس حقيقة)!!
التفت ليراها منحنية تخلع حذائها الذي تلطخ بالوحل وحين نهضت التفتت إليه لتقول بخجل وهي تحمله بيدها: أين أضعه؟
وقف مستندا بظهره على الباب وقد داعبت شفتيه ابتسامة جذابة بعد أن لاحظ قامتها القصيرة.. فبدت لعينيه كدمية صغيرة هربت من بيت الدمى الكامن في كتاب الحواديت؛ لتعيش مغامرة حقيقة بليلة رأس السنة...!!!
تقدم منها وهو يحاول اخفاء ابتسامته، مادا يده ليلتقط حذائها العالي الكعب وهو يتمتم: تفضلي.
تحركت بهدوء إلى داخل الكوخ، وبمجرد أن لمحت المدفأة أسرعت إليها لتنزل على ركبتيها أمامها تتلمس منها الدفء..
كان مازال واقفا مكانه بعد أن راقب تحركها السريع باتجاه المدفأة.. دمية قصيرة ترتدي فستانا زهريا قد التصق بجسدها بفعل المطر، يعلوه معطف قصير من الفراء الأبيض الذي تشبع بالماء فزاد من ارتعاش صاحبته.
راقبها تنزع عنها المعطف وتقترب أكثر من النار. وضع الحذاء خلف الباب واقترب منها قائلا: هذا لن يجدي نفعا.. ملابسك مبتلة وسوف تتسبب في مرضك.
-وماذا أفعل؟
همستها بهدوء فلم يجبها، بل تحرك باتجاه باب مفتوح، مكث دقائق ثم خرج يحمل بيده ملابس مطوية بعناية ليقول: عليك أن تبدلي ملابسك.
نظرت إليه متعجبة فأومأ برأسه أن يجب أن تفعلي فنهضت لتقول متلعثمة: أين عائلتك؟!
-ليس لدي عائلة.. أنا أعيش هنا بمفردي.
-أليس لديك زوجة وأبناء؟!
-لا.. قالها بنفاذ صبر بسبب تدخلها الغير مستحب في شؤونه الخاصة.
بمجرد أن أجاب سؤالها أخذت تتأمله بحيرة.. تحدث نفسها.. أن كيف لرجل قد غزا الشيب فوديه ألا يمتلك عائلة؟!
أخرجها صوته من أفكارها وهو يقول: هذا هو باب الحمام.. يمكنك أن تبدلي ملابسك.. وإن أردتِ أن تأخذي حماما دافئا سيكون أفضل في مثل حالتك.
بمجرد أن تجاوزته التفت ينظر إليها ولا يعرف ما الذي دفعه لفعل ذلك.. هو رجل عاش حياة صارمة لم يسمح لعقله بالتفكير في غير عمله وها هو قد شارف على منتصف الثلاثينات ومازال أعزبا.. حينما وصلت إلى الباب وأمسكت المقبض لتفتحه لا يعرف كيف ولا لماذا نطق بالسؤال: ما اسمك؟
التفتت تنظر إليه بدهشة جعلته يخفض نظراته وهو يبرر متلعثما: بالتأكيد ستمكثين هنا إلى أن يتوقف المطر ومن البديهي أن أعرف اسم من سيشاركني كوخي الصغير…
-ورد… اسمي ورد.. همستها بهدوء ثم التفتت لتختفي خلف الباب.
أسقط يده وهو يقول بذهول: ورد… ثم ردد ما قاله الدرويش... عندما يحين أوان الورد…!
عاد إلى المطبخ كي يضاعف كمية الحساء من أجل من ستشاركه العشاء.. من أجل الدمية.. ورد…!
لم تمر دقائق حتى شاغل عينيه خيال يقف بباب المطبخ. رفع رأسه عن القدر الموضوع على النار فوجدها تقف بفستانها المبتل الذي أظهرها كطفلة صغيرة كانت تلعب تحت المطر وخاصة بخصلاتها الشقراء التي التصقت حول وجهها…
-سحاب الفستان… همسها يثير داخله مشاعر غريبة عليه.. يجب عليها أن تختفي.. ألا تظهر أمامه هكذا…
-ماذا؟.. سألها متعجبا فأجابته ووجهها منخفض وكفيها ترتعشان: حاولت فتح سحاب الفستان لكنه يعاندني.. هلا… هلا ساعدتني…
تدلى فكه الأسفل ببلاهة؛ لا يصدق ما تطلبه تلك الدمية المجنونة … ستبيت ليلتها بكوخ على أطراف الغابة.. مع رجل غريب.. وتزيد الطين بلة بأن تطلب منه أن يساعدها في أمر كهذا…!
صمت مشحون، ومشاعر غريبة على الاثنين. تخفض وجهها بخجل، ويتأملها بذهول وغضب، لكنه لم يخذلها.. اقترب منها ثم استدار ليصبح خلفها.. مد كفيه فرأى وشعر بإرتعاد جسدها الصغير ولم تلبث الارتعادة لحظات حتى انتقلت إليه…!
أكثر من دقيقة وهو يحاول مع مقبض السحاب كي لا ينزعه ويفسد الأمر برمته ووقتها لا يعرف ماذا سيحدث. لكن لحسن حظهما معا استجاب المقبض لمحاولات أنامله ففتحه فتحة صغيرة ليقول لها محاولا أن يجلي صوته: لقد استجاب.. يمكنك إكمال الأمر بالداخل.
ابتعد عنها وهو يسمع كلمة.. شكرا لك بنبرة لم يسمع مثلها من قبل.. عاد يقلب الحساء داخل القدر وهو يهمس: يا لك من طفلة غبية… ترى كيف لعائلتك أن تتركك تخرجين في طقس كهذا وإلى مكان كهذا؟!
بعد ما يقرب من النصف ساعة كان قد أنهى إعداد العشاء، ثم قام بتجهيز المائدة إلى حين خروجها.
كان قد وضع أخر شيء بيده على المائدة والتفت ليتوجه إلى المطبخ لإحضار الماء، لكنه تسمر بمكانه لذلك المشهد الذي سلب عقله قبل قلبه… تخطو باتجاهه وقد ارتدت منامته التي حين يرتديها هو تكون ملتصقة بجسده، في حين تبدو فيها كطفلة ترتدي ملابس أبيها.. حاول كتم ضحكته للفكرة، واستجابت الضحكة لتختفي ويحل محلها تعبير من نوع آخر… نوع مختلف… لا يعرف هل هو إعجاب، أو سخط، أو … حب… ماذا؟!
اقتربت منه فبات تأملها أمر لا يستطيع تحمله… كيف لدمية بملابس كتلك ومنشفة كبيرة تعلو رأسها وأنف صغير اصطبغ باللون بالأحمر القاني كما شفتيها ووجنتيها أن تثير داخله تلك الفوضى…!
-رائحة الحساء شهية وجعلتني أشعر بالجوع… شكرا لك… أنا فعلا بحاجة إليها… قالت ذلك وهي تسحب المقعد قبل أن تبتسم بخجل وتقول: أعتذر… نسيت بأنك لم تدعوني للعشاء…
-أنت مدعوة بالفعل.. فلمَ الإعتذار؟!
حاول أن يبدو رده مهذبا كي لا يحرجها وتحرك للمطبخ وهو يبتسم بجذل.. لا يعرف من أين أتت إليه تلك الدمية لتثير الفوضى في حياته الرتيبة الهادئة…!
كان يجلس قبالتها.. يراقبها من تحت رموشه وهي تتناول الحساء بتلذذ أسره.. تلك الدمية بالتأكيد هربت من كتب الحواديت الخاص بالساحرات… ما هذا السحر الذي يلفها.. بالرغم من أنها ترتدي منامته الرجولية، وتلف رأسها بالمنشفة، إلا أنها بدت جذابة، رقيقة، ساحرة…
-ما اسمك؟ فاجأته بالسؤال فأجابها بهدوء لا يشبه الثورة المتأججة بداخله: أوس…
-أوس… أليس هذا اسما للذئب؟!
-نعم.. هل عندك اعتراض عليه؟!
ضحكت ضحكة… ليست كأي ضحكة.. ضحكة رقيقة.. طفولية.. رنانة… ضحكة الورد…!
-أعتذر جدا… أرجوك أن لا تنزعج مني.. لا أعرف لمَ ضحكت وخاصة أن سؤالك جاء كرد فعل طبيعي… حقا آسفة…
(لا تعرفين لمَ ضحكتِ؟.. أنا أعرف.. ضحكت كي تزيديها علي.. وكأنه ينقصني ضحكتك كي تكمل ما فعلته هيأتك وطريقتك في تناول الحساء…!)
كان يحدث نفسه وهي تتأمله برأس انحنت جانبا وعينان لمعتا وكأنهما وجدتا ضالتهما…!
-لماذا تنظرين إلي هكذا؟!.. هل تشبهين علي؟!!
-لا أعرف.. ملامحك ليست غريبة عني.. وكأننا تقابلنا من قبل…
ضيق عينيه وتأملها ليجيب: لا أعتقد.
عادت رأسها لوضعها الطبيعي، وملامحها كساها حزن مفاجئ جعله يسألها وقد أزعجه تغيرها: ماذا هنالك… هل انزعجت من ردي عليك؟!
-لا.. لقد تذكرت جدي.. أشفق عليه من اكتشاف هروبي.
-هروبك؟!
-نعم… لكنه السبب… هو من اضطرني للهرب.. يريد أن يزوجني من مدير أعماله رغما عني.. يراه الأنسب وهو بالفعل شاب مهذب وخلوق ولكن… ولكنني لم أستطع أن أحبه… حاولت كثيرا أن أوضح لجدي وجهة نظري لكنه لم يقتنع.. يقول أن ما أقوله ليس حقيقيا… وأنني مدللة ولا أعرف مصلحتي.
-وأين والديك؟!
حديث غريب.. غريبان التقيا في ليلة ماطرة في أطراف الغابة.. جمعهما سقف بيت، ومائدة عشاء، و… شيء ما لم يدركه حتى الآن…!
-أنا يتيمة الأبوين منذ كنت في التاسعة.. رباني جدي وكل ما يريده هو تزويجي.. يقول بأنه يريد الاطمئنان علي قبل أن…
-ربما كان جدك على حق وأنت تتوهمين بأنه لا يحبك…
-بل أنا متأكدة من حبه لي… لكنه لا يفهمني.. يستخف بـ مشاعري وأحلامي.. أريد أن أعيش قصة حب كالتي أقرأها في الروايات… أريد مقابلة ذلك الفارس الذي يخطفني على حصانه الأبيض…
-وإن كان الحصان أسود.. ألن توافقي عليه؟..
وعادت ضحكتها التي يبدو أنه أدمنها كي يثيرها لتتردد بالمكان فبات دافئا على غير العادة.. وحين خفتت ضحكتها همست بألم.. كان جدي رجلا عسكريا صارما.. كما كان أبي رحمه الله… أعلم بأنه يحبني.. لكنه يتعامل معي كأحد جنوده الذي عليه أن يسمع ويطيع دون جدال… وهذا يؤلمني… سايرته بكل شيء حتى دراستي… لكن شريك حياتي… لا… لن أستطيع أن أطيعه في هذا الأمر…
-لذلك هربت من البيت؟
-نعم.
-وإلى أين كنت تنوين الذهاب؟
-إلى صديقتي.. كانت ستساعدني في التخلص من الزواج ممن اختاره جدي…
-وكيف ستفعل؟!
أخفضت وجهها وأجابت بتمتمة خافتة وكأنه اعتراف منها بالذنب: اتفقت مع شقيقها أن يتزوجني لنضع جدي أمام الأمر الواقع وبعد مدة نفترق..
-هل أنت مجنونة؟.. كيف توافقين على ذلك؟!.. وكيف تقولين بأنها صديقتك؟!.. اسمحي لي.. تلك عدوة وليست صديقة..!
-لا تقل عنها ذلك إنها…
-استمعي إلي جيدا.. أنت تورطين نفسك في أمر خطير.. تهربين من الزواج برجل اختاره جدك الذي يحبك لترمي بنفسك بين يدي رجل لا تعرفيه…
-لكنه…
-لا يوجد لكن.. مادام وافق على فعل ذلك فنيته واضحة… سوف يستغلك… هل تقولين بأن جدك ووالدك رحمه الله كانا عسكريين؟
-نعم.. لكن لمَ تسأل؟
لمعت عينيه بوميض ذئبي أعاده لحياته السابقة وهو يقول: تناولي عشاءك وادخلي تلك الغرفة واغلقي الباب عليك ثم اخلدي للنوم… وحين تستيقظين ستكون سيارتك قد تم اصلاحها لأعود بك بنفسي إلى جدك.
نفذت ما قاله دون أن تعترض؛ نظراته إليها كانت تحتوي مشاعر ما.. لا تعرف هل توهمت أم أنها هي نفسها انعكاسات المشاعر التي قرأت عنها في الروايات… غريب أمر عينيه… تبدوان كعيني ذئب حقا…!
أغلقت الباب وتحركت نحو السرير لترتمي بين الأغطية وما هي إلا لحظات حتى غرقت في نوم عميق جافاها لأيام وهي تخطط للهرب…!
استيقظت في الصباح لتفرك عينيها بظاهر كفيها كما الأطفال ثم نهضت وهي تتثاءب لتخرج من الغرفة وقد نسيت حالتها الفوضوية وخاصة بـ خصلاتها التي لم تمشطها.
نادت اسمه عدة مرات لكنه لم يجبها… تحركت باتجاه طاولة الطعام لتجده قد أعد لها إفطارا بجانبه ورقة مطوية كتب فيها…
(صباح الورد يا ورد… أتمنى أن تكوني قد نمت جيدا في سريري وبين أغطيتي الناعمة.. وخاصة وقد نسيت أن آخذ غطاء منهم وبت ليلتي أمام المدفأة… أعرف بأنك تضحكين الآن.. كفي عن الضحك وارتدي ملابسك وتناولي افطارك.. ثم كوني في إنتظاري… سنعود إلى جدك… أوس )
بعد أشهر قليلة كان هناك حفل ضخم لزفاف ورد وأوس … الذي غادر بها الفندق مودعا جدها والمدعوين وذلك الشاب الذي كان يريد أن يزوجها جدها منه… خطفها الأمير في سيارته وتوجه بها إلى ذلك الكوخ الذي شهد لقاءهما الأول في ليلة رأس السنة… اعتذر عن قبول عرض جدها لرحلة شهر العسل وأصر أن يقضيانه هناك…
وقفت أمامه بكل جمالها الآخاذ الذي سلب لبه منذ لحظة خروجها إليه تتأبط ذراع جدها… رفع ذقنها بإصبعه وهو يهمس: انظري إلي يا وردتي…
رفعت عيناها تتأمله بحب انتظرته وحاربت لأجله ثم همست: من أنت؟… من أنت لتفعل بقلبي كل ذلك؟!...
وبهمس عاشق ما كان أبدا يؤمن بأن هناك تلك المشاعر أجابها: أوانك يا برعما صغيرا نما بقلبي وعلي أن أرعاه بكل حب كي يزهر بأجمل الألوان… أنا يا وردتي… أوان الورد…!
…تمت
ربا
A.M.J


تعليقات
إرسال تعليق