إبحار في عواصف الحرف -بائعة الورد قصة قصيرة - ربا أحمد


بائعة الورد 
قصة قصيرة



وقفت أمام المرآة أواجه وجهي الشاحب مثل الأموات وأنا أسائل نفسي:
هل من الممكن أن يتخلل ذلك الشحوب حمرة الخجل من نظرة عينيه يوما؟؟

أجبت خيالي الخصب بابتسامة باهتة: أضغاث أحلام، لا تسرحي بخيالك بعيدا كي لا تتوهي فتضيعي.
تأملت عينيّ بإمعان، تلكما الغابتان الخضراوان اللتان تلمعان دوما لمعة حزن لا أعرف إن كان سيتبدل ذات يوم إلى سعادة أم أنني لن أطالها أبدا؟
أحكمت لف شالي الثقيل حول وجهي لأخفي تحته ذاك الشلال الغزير من أشعة الشمس التي انطفأ نورها من ظلم البشر، وكي يقيني البرد القارس أثناء أداء مهمتي اليومية، ويالها من مهمة محببة إلى نفسي رغم وجعها.
بعد أن تأملت هيأتي الأقل من بسيطة، حملت سلتي الأثيرة وغادرت المكان بعد أن قبلت رأس جدتي العجوز التي أنهيت جميع مهامي تجاهها قبل قليل. تلك الجدة التي لم أعرف عائلة غيرها؛ فمنذ نعومة أظفاري وهي عائلتي الوحيدة، قامت بتربيتي والاعتناء بي لأن حياتي كانت سببا في سلب حياة أمي التي توفيت بعد دقائق من ظهوري للدنيا. بكاها والدي الذي كان يعشقها، بكاها ونعى شوقه للقياها حتى رحمه الله ذات ليلة فأخذه إلى جواره وأعتقد بأنه سعيد الآن بعد أن أصبح بقرب من أحب.

كانت الليلة شديدة البرودة، تنبئ بمطر وشيك. ذهبت إلى محل الزهور ككل مساء، ملأت سلتي بالزهور المختلفة، ما بين زنبق وأقحوان ونرجس وجوري. توجهت بعد ذلك إلى ذلكححااح المكان الأجمل في العالم ليس لروعة تصميمة أو الترف الذي يميزه، إنما لوجوده فيه..!!
دلفت إلى المكان الذي يسمح لي أصحابه بيع زهوري لمرتاديه تعاطفا معي ومع جدتي العجوز التي توسطت لي عند مالكه والذي بدوره أعطى أوامره بعدم منعي من بيع الزهور فيه. كم هو رجل طيب القلب. 
بمجرد أن ولجت من الباب شعرت بدفيء لذيذ يتسرب إلى خلاياي. دفيء برائحة القهوة التي عشقتها منذ لاحظت بأنه لا يشرب غيرها. دفيء يحمله صوت أم كلثوم الذي يشدو بأجمل الكلمات ، دفيء تسرب إلى قلبي، وإلى روحي بمجرد أن لمحته هناك، يجلس أمام نفس الطاولة التي تحتل الزاوية .
تقدمت عدة خطوات وأنا أتأمله. أسحب لرئتي أنفاسا عميقة تحمل رائحته التي أعشقها والتي أصبحت تميز المكان، وتنافس رائحة القهوة. رغم رائحة العطور المختلفة لرواد المكان إلا أنني لا أشتم غير عطره هو، عطره الآسر الذي يعبث بدقات قلبي كلما اقتربت منه وعبقت بصدري رائحة قهوته الممتزجة برائحة عطره.
توقفت على بعد خطوات من طاولته لأملأ عيناي من مرآه قبل أن أذهب برحلتي اليومية. أدور بين الطاولات أبيع الزهور لأولئك المحبين والعاشقين. الجميع يشتري زهوري وهو يمنحني ابتسامة إعجاب، حقيقة غير متأكدة من ذلك، هل هي صحيح ابتسامة اعجاب أم شفقة، ما عاد يهمني ذلك، كنت أهتم سابقا وتؤثر بي وتؤلمني نظرة شفقة من أحد، وتقتلني وتذبحني نظرة طمع من أحد ولكني الآن ما عدت أدقق في تفسير نظراتهم، هل هي اعجاب أو غيره، كل ما أطمح إليه هو نظرة واحدة من عينيه هو، نظرة يخصني بها، يراني بها، يشعر بوجودي حوله، بنبض خافقي الذي يعاني عدم شعوره بما يكنه له من حب.

بعد وقت طويل أنهيت خلاله جولتي ببيع جميع زهراتي الجميلة إلا واحدة أحتفظ بها ككل يوم ، متخيلة أنه أهداني إياها حين غرسها بخصلاتي وهو يراقصني تحت المطر بعد أن قال الشعر في جمالي الذي انقشعت عنه الغيوم الرمادية التي طمسته طويلا فأصبح مشرقا كشمس صباح ضاحكة بسبب كلمات العشق التي يطرب بها أذني فيرقص لها قلبي.
أحلام، كل ما أعرفه في حياتي هي الأحلام، والتي بدأت أيأس من تحقيقها.
استيقظت من حلم يقظتي الجميل على كابوس. رأيته ينهض وقد زينت ملامحه الوسيمة ابتسامة عريضة سرقت أنفاسي وطعنت قلبي بخنجر مسموم. لم يكن اليوم وحيدا ككل يوم. بل اليوم سيكون معه رفقة للمرة الأولى منذ شهور هي مدة تردده على المكان.
كانت جميلة، أنيقة وراقية. دلفت إلى المكان فدارت الرؤوس إليها لتتأمل دخولها الملكي. نعم، كانت كملكة جاءت لتتفقد أحوال رعيتها.
نهض لمجرد دخولها وحين اقتربت من طاولته تقدم خطوات ليستقبلها ثم فعل شيئا قتلني. صافحها وهو يبتسم بسعادة غامرة وكأنه ملك الكون بين راحتيه التي احتوت كفها الرقيق، ثم زادت طعناته حين رفع كفها إلى أعلى ليقبل ظاهرة وهو يرفع عينيه لينظر إليها نظرات عشق من المستحيل أن اخطأها فأنا أحفظها عن ظهر قلب. فهي نظراتي إليه..!!!

حدت بنظراتي عنه بصعوبة كي أتأمل تلك الواقفة في مواجهته. تأملتها كيف أنارت ابتسامتها وجهها الجميل الملامح والمزين ببساطة واتقان، للأسف الشديد كانت مثالا للجمال الهادئ الراقي.
تأملتهما بقلب نازف وهو يقودها نحو طاولته، كفه لامست ظهرها قبل أن يبعدها ليزيح لها المقعد لتجلس عليه ثم ينحني ليهمس لها شيئا في أذنها فتحمر وجنتاها وتبتسم ابتسامة خجل. بعدها جلس على المقعد المقابل لها وبقيت أنا أراقبهما حتى ما عاد لدي طاقة لذلك. همسه لها حين يتقاربان برأسيهما. تمسكه بكفيها بين كفيه من حين لآخر. عيناه اللتان تلمعان ببريق مهلك وهو ينظر إليها. كل ذلك استنفذ طاقتي حتى شعرت باعياء شديد.
ساقتني قدماي إلى خارج المكان فلفحتني البرودة الشديدة فلم أهتم بها ولا بحبات المطر التي أخذت تهطل بغزارة. سرت تحت المطر بخطوات متثاقلة وروح ميته. وقعت سلتي من يدي أو أنا من رميتها، ما عدت أستطيع حملها. لكني تمسكت بالزهرة التي حلمت كل يوم أن يغرزها بخصلاتي وهو يراقصني تحت المطر.
مرت دقائق لا أعلم مدتها وأنا أسير تحت المطر الذي أغرقني فأصبحت في هيئة يرثى لها. هدني التعب والوجع فأشفقت على نفسي حين رميت بجسدي بجانب جدار أسندت رأسي عليه وأخذت أنتحب كحبيبة هجرها حبيبها للتو.

استيقظت على لمسات دافئة وناعمة الملمس على وجهي. فتحت عيني وعدت لإغماضهما سريعا ثم عدت لفتحهما مرة تانية واتسعتا وأنا أواجه ملامحه الحبيبة. كان وجهه قريبا مني للغاية، تعلوه نظرة اهتمام ما كنت أحلم بأنها ستكون لأجلي يوما. عطره أزكم أنفي وملأ صدري. همسه تخلل إلى أوردتي حتى زاحم الدم بها. 
سألني بصوت رخيم أخرسني فما عدت قادرة على الرد، وكأن صوته أفقدني النطق: ألست أنت فتاة الورد؟!

-يا إلهي.. إنه يعرفني.. كان يراني
- يا إلهي.. إنه يعرفني.. كان يراني وأنا التي قلت بأنه لم يفعل أبدا.
انتبهت ليده التي تزيح الشال عن رأسي وهو يؤنبني كيف أسير تحت المطر لتبتل ملابسي بهذا الشكل ولابد من نزع هذا الشال المبتل حرصا على صحتي.
كنت كطفلة صغيرة استسلمت لاهتمام والدها.
نزع الشال ثم ساعدني على النهوض وهو مستاء لحالتي كنت أراقبه وهو يخلع معطفه ويساعدني على ارتدائه، وحين شعر بتلك الوردة التي تتمسك بها كفي أمرني أن أعطيها له كي يستطيع ادخال يدي في كم المعطف.
بعد أن احتواني معطفه الذي يحمل عبقه أحكم إغلاقه ثم نظر لوجهي وابتسم ابتسامة عريضة تشبه تلك التي أهداها لتلك الملكة قبل أن يرفع كفه بالوردة ليغرسها في خصلاتي بجوار أذني وهو يتأملني هامسا: كم أنت جميلة يا فتاة الورد.
أغمضت عيني وأنا غير مصدقة ما يحدث لي.. أمعقول ما يحدث؟!.. هل أنا أعيش واقعا ملموسا أم أنه أحد أحلامي به؟.. هل يجيبني أحدكم.. هل أنا الآن نائمة وأغرق بحلم جميل؟.. أم أنني أعيش واقعا صعب تصديقه؟!..

 ربا أحمد
A.M.J


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إبحار في عواصف الحرف - ذات الريش - قصة قصيرة - Aisha Ahmed ***

إبحار في عواصف الحرف - أبي الغالي - مروان خنفر

ابحار في عواصف الحرف - رحلة إلى وادي عبقر 1- مروان خنفر

إبحار في عواصف الحرف - أوان الورد قصة قصيرة - ربا أحمد ***

إبحار في عواصف الحرف - رحلة إلى وادي عبقر 6 - مروان خنفر

إبحار في عواصف الحرف -رحلة الى وادي عبقر2 - مروان خنفر

لاتفلت يدي - لانا محمود

أراقبك -ربا أحمد

إبحار في عواصف الحرف -يوم أن استلبت قلبي في آذار- عبير مصطفى ( البيان بوست )***

النبوءة -ربا