إبحار في عواصف الحرف _ أيمن موسى _المشرحة 1
المشرحة 1
من منا يدرك كل الحقيقة وكنهها ؟ ربما تروادنا بعض الأفكار والمعطيات فنظن أننا توصلنا لجوهر الحقيقة لنتوقف أمامها ربما قليلاً أو كثيراً بحسب عمق تفكيرنا قبل أن نشيح عنها بعيداً حتى لا تجرفنا نحو الهاوية وربما أو بالتأكيد نتعمد الهروب خوفاً منها أن تحاصرنا أو تستحوذ على عقولنا . بالمرة الوحيدة التي أدركت فيها أنني أمام حقيقة مؤكدة وثابتة كانت رائحة الموت تحيط بي من كل الزوايا ومن كل حدب وصوب . ربما ينتابكم الفضول لمعرفة ما مر بي وما عايشته وما جعلني ما أصبحت عليه الأن . رغم أن ما حدث لي ظل حبيس عقلي وخيالي ولم يغادرني إلا أنني سأفصح عنه وسأخبركم نعم سأخبركم . ذات ليلة شتويه من إحدى ليالي شهر فبراير شديد البرودة وبأول مناوبة عمل ليلية لي كحارس أمني على المشرحة ووسط مخاوفي الجمة وتلك الهواجس التي تعبث بعقلي بدأت قصتي والتي جعلتني أنظر للحياة من منظور أخر ومغاير لما قبلها . إسمي عماد شاب يشبه الملايين من الشباب الذين ماتت أحلامهم قبل أن تُولد حتى أيقنوا أن الأحلام رفاهية وإثم يجب التطهر منهما . أعمل بشركة أمن ومن وقت لأخر يتم توزيعنا حسب إحتياجات العمل سواء بالبنوك أو بالمولات التجارية حتى جاء ذلك اليوم الذي صادف حظي العاثر وتم توزيعي لأناوب بالمشرحة . كنت مضطراً لقبول هذا العمل بعد أن يئست من الحصول على عمل يناسب مؤهلي كخريج تجارة . كان من المفترض أن يشاركني مناوبتي الليلية كما أخبروني عم توفيق وهو يعمل بالمشرحة منذ زمن بعيد كعامل لإستلام الموتى وتجهيزهم للتشريح حسب رغبة الطبيب الشرعي ومن ثم وضعهم داخل الثلاجة حتى يتم تسليمهم لذويهم أو دفنهم بمقابر الصدقة إن لم يستدل على أقارب لهم . من المفترض أن تبدأ مناوبتي من الثامنة مساء وحتى الثامنة صباحاً. وما أن وصلت وبدأت مناوبتي بالمشرحة حتى غادر زميلي مبتسماً وهو يقول من حسن حظك أنه لا يوجد بثلاجة المشرحة سوى ثلاثة جثث ولا شئ على طاولة التشريح . ما أن أنهى عبارته وغادر حتى إنتابتني قشعريرة سرت بجسدي من شعر رأسي حتى أخمص قدمي . تجولت ببصري بالمكان لأشاهد المشرحة من الخارج وهى مبنى بالدور الأرضي منفصل عن مبنى المستشفى وبعيداً عن أقسامه المختلفة وهناك لوحة كتب عليها بخط باهت ( المشرحة ) . مددت يدي المرتعشة لأفتح الباب الخارجي دون أن أجرؤ على الدخول ولكن كان هذا كفيلاً لأشاهد ممر طويل بمنتصفه غرفة بداخلها ثلاجة الموتى ملحق بها غرفة صغيرة بها سرير صغير وفراش من المفترض أن أقضي ليلتي بداخلها ولكن هيهات أن يحدث ذلك . كما توجد منضدة عليها هاتف أرضي . حفيف أوراق الشجر مع تلك اللفحة من الصقيع برقبتي وأذني كانت كفيلة لتجعلني أنتفض وأنا أعود للخلف لأجلس على ذلك المقعد المواجه للمشرحة بالجهة المقابلة . ما أسوأ الوقت عندما يتلاعب بنا نعم هو يتلاعب بنا وإلا فكيف نفسر مرور ساعات السعادة وأيامها كلمح البصر بينما يتوقف الزمن بلحظات الألم لتتحول الثواني إلى دهر طويل ليس له من فوات ؟ وها أنا كل دقيقة أنظر لساعتي لأرى عقاربها جامدة لا تتحرك . كم وددت أن تمر الساعات ليأتي عم توفيق بموعد مناوبتة لأشدد به أزري وليعيد لي ثباتي الإنفعالي ولكن هيهات . الساعة الأن تقترب من التاسعة وعم توفيق لم يأتي حتى الأن وووو… . هل ما أسمعه حقاً هو صوت الهاتف ؟ إقتربت من الباب الخارجي أكثر ليصلني رنين الهاتف مدوياً . ترى من يتصل الأن ؟ هل هو مديري يريد التأكد من وجودي أم أن هناك من يريد الإبلاغ عن حادث ؟ توقف الرنين للحظات ليعود مرة أخرى وأنا أقف حائراً بل خائفاً وعاجزاً عن التقدم للرد على الهاتف . تنفست الصعداء عندما توقف الرنين وأنا أردد أين أنت يا عم توفيق ولماذا تأخرت عن موعدك و… . يا الله كم أكره هذا الصوت . كان الرنين يتردد صداه بعنف ليرج المشرحة بأكملها ومن قبلها قلبي وعقلي . فتحت الباب على مصراعيه وبحثت عن حجر ضخم لأضعه خلف الباب حتي لا يُغلق من خلفي بعد أن قررت مضطراً ومرغماً أن أدخل وأجيب على الهاتف . قرأت كل ما أحفظه من ٱيات قرٱنيه وأنا أتقدم بخطوات ثقيلة نحو غرفة المشرحة وسط خيالات وهواجس تجتاحني بعنف وأنا أسير بذلك الممر ذو الإضاءة الخافتة حتى أن ظلي تحول لعملاق ضخم مرات يتقدمني ومرات يلاحقني وكأنه يريد إلتهامي ومن بعيد يصلني حفيف الشجر مصحوباً ببعض موجات البرق لتتشكل لوحة سريالية عبثية تكبل خطواتي المتثاقلة . بعد جهد وثواني مرت كالدهر وصلت لغرفة الهاتف وما أن مددت يدي المرتعشة لأرد على الهاتف حتى توقف الرنين فجأة . تنفست بعمق وأستدرت بسرعة لأعود أدراجي وما أن فعلت حتى عاود الهاتف رنينه مرة أخرى لأتجمد مكاني . تناولت سماعة الهاتف وأنا أجيب بصوت مرتعش من معي ؟ أتاني الصوت لاهثاً معاتباً أين أنت يا ولدي ؟ مرة أخرى أعدت السؤال من معي ؟ أنا عمك توفيق عامل المشرحة . تنفست الصعداء وأنا أقول أين أنت يا عم توفيق ولمَ تأخرت ولم تحضر للأن ؟ عم توفيق : معلهش يا بني حصلت ظروف ومش هقدر أناوب النهاردة . عماد : إذاي يا عم توفيق ده أول يوم لي هنا وأنا مرعوب . عم توفيق ; مرعوب من ايه بس خلي قلبك جامد وبعدين أنا عرفت إن ثلاجة المشرحة مفيهاش غير ثلاث جثث وتسليمهم بكره الظهر يعني تنام وتتغطى والصباح رباح . عماد ; أنام وأتغطى إيه بس ! شكله يوم مش فايت وشكلي كده هسيب المكان وأروح . عم توفيق ; مينفعش يابني ممكن توصل حالات بأي وقت وممكن يحضر الطبيب الشرعي بأي لحظة ولو أنا وإنت مش موجودين هنروح بداهية وهيتقطع عيشي . عماد ; طيب حاول تيجي . عم توفيق ; هحاول بس موعدكش . أنهيت المكالمة بيأس وعدت أدراجي مسرعاً وكأن أشباح الكون كله تلاحقني وتطاردني . ترى كيف ستمر هذه الليلة وأنا وحيداً إلا من خيالاتي وهـواجسي وثلاث جثث ؟ يتبع أيمن موسى


تعليقات
إرسال تعليق