إبحار في عواصف الحرف _ ايمن موسى _المشرحة2

المشرحة ( 2 )
 لا أدري كيف تحول هذا الكون الشاسع إلى ذلك الحيز الضيق! بل كيف إستطاع خيالي إختزالة بتلك المشرحة . كيف يمكن إختزال كل شئ بشئ واحد ! لم يكن أمامي سوى قتل الملل حتى لا يقتلني الخوف . فتحت الهاتف ووضعت سورة يوسف بصوت الشيخ ماهر المعيقلي والذي أعشقه بلا حدود ربما تهدأ روحي المضطربة ولو قليلاً . سؤال مفاجئ قفز إلى ذهني بغته . هل أنا جبان ؟ هل ما أشعر به الأن خوف غريزي وطبيعي أم مبالغ فيه حد الجبن ؟ لم أجد إجابة واضحة وصريحة لسؤالي ولكنني وجدت مبرراً لخوفي وإنفعالاتي مبرراً ذلك بأنها ليلتي الأولى بمثل هذا المكان . نعم كنت أحتاج إلى مبرر حتى لا أفقد رباطة جأشي وإحترامي لذاتي . نظرت لساعتي والتي كانت تشير عقاربها لمنتصف الليل إلا قليلاً . إزداد الطقس برودة وشعرت بأوصالي وأطرافي تكاد تتجمد من برودة الطقس وذلك الصقيع . هنا طرأت لي فكرة مباغتة ظننتها صائبة ألا وهى الدخول إلى المشرحة وإحضار البطانية من فوق الفراش والعودة مرة أخرى حيث أجلس بالخارج . دقائق مملة ورتيبة وثقيلة مرت علي وأنا في حالة من الصراع بيني ونفسي . كان الظلام يحيط بي من كل صوب وجانب تقريباً إلا من ضوء القمر والذي يأتي على استحياء بضوءه الخافت ليجعل لكل شئ على الأرض ظل يتشكل حسب نوعه كالأشجار والمباني ناهيكم عن صوت نقيق الضفادع والذي يأتي من باحة المستشفى المقامة بجوار تلك الترعة والتي تنمو عليها بعض الحشائش والنباتات مما جعلها مرتع للحشرات والزواحف وبعض الأصوات تتداخل لتعطي مزيج من الفحيح والطنين . لا أدري لماذا يبدو كل شئ هذه الليلة إستثنائي حتى أنني ظننت أنني بكابوس سأفيق منه قريباً وكم تمنيت هذا حقاً وما عزز هذا التصور بخيالي نباح الكلاب الحاد والمتواصل حتى أنني ظننت أن الكلاب تحاصرني بل وتراقبني بإنتظار اللحظة الفارقة والحاسمة للهجوم والإنقضاض على جسدي ولكن سرعان ما نفضت ذلك الهاجس عن تفكيري حتى لا أجن أو أفقد عقلي . دقت الساعة الثانية عشرة ليلاً ومعها أعلن الهاتف عن قرب نفاذ البطارية وكأن هذا ما ينقصني بهذا الوضع المزري . أغلقت الهاتف لأحتفظ بما تبقى من شحن بداخله لإستعماله وقت اللزوم . في غضون ذلك كنت قد حسمت أمري أنه مما لابد منه ولا مناص أو مفر أن أدخل بسرعة وأجلب الغطاء ليعينني على هذا الشتاء القارص وليعيد لأطرافي الدفء المفقود . تقدمت للأمام بخطوات متثاقلة شاخصاً ببصري نحو الباب الخارجي . فتحت الباب ولم أنسى وضع ذلك الحجر من خلفه من الداخل ليظل مفتوحاً لحين تنفيذ المهمة وعودتي من داخل غرفة الثلاجة . نظرت للخلف وهناك ألف هاتف وهاتف يدعونني ويلحون علي للعودة من حيث أتيت . حدثت نفسي قائلاً وكأنني أوبخها . ما بك يا رجل منذ متى كنت بهذا الجبن ألا تخجل من نفسك؟ منذ متى وأنت تخشى الموت بل ومنذ متى تخشى الأموات ؟ ألا لعنة الله على الشيطان والذي تكفل بالإجابة عن سؤالي بأن عرض على عقلي وخيالي تلك المناظر البشعة والتي مرت علي من قبل للقتلى من خلال حوادث الطريق أو حتى الحرائق . حركت رأسي يمنة ويساراً وكأنني أمحو هذه الصور عن رأسي متمتماً بسورة الناس . تشجعت وتقدمت أكثر حيث أصبح لا يفصلني عن باب المشرحة سوى أمتار قليلة . ما زلت أردد سورة الناس وأخذت أردد قوله تعالى (الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس ) مرات عدة حتى وصلت أخيراً لمقبض غرفة المشرحة والذي أدرته بتوجس وخوف ودلفت للداخل . كانت غرفة الهاتف على يميني بداخلها الفراش والغطاء وعلى يساري طاولة التشريح بنهايتها ثلاث مقاعد وكم حمدت الله أنها فارغة ولا يوجد عليها أي جثث للتشريح بهذا اليوم . كانت ثلاجة الموتي على يميني بعد غرفة الهاتف مباشرة وبها الكثير من الأدراج وكل درج منها من المفترض أن يحتوي على جثة واحدة . كان الصمت والهدوء يغلف المكان مما أضاف له الكثير من المهابة والخوف . تقدمت بهدوء نحو غرفة الهاتف ومددت يدي لأتناول الغطاء بهدوء وروية وما كدت أفعل حتى سمعت ضجيجاً يأتي من الخارج ليقطع ذلك الصمت ولينسف هذا الهدوء والذي بدا وكأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة . كان مصدر الصوت والضجيج يأتي من الباب الخارجي حيث وضعت الحجر خلفه وأول ما تبادر لذهتي هو الرياح والهواء وقد ظننت أنهم حركوا الباب مما تسبب بهذا الضجيج . خرجت من غرفة الهاتف وتقدمت نحو باب غرفة الثلاجة لأرى ما يحدث وما كدت أفعل حتى تسمرت قدماي وأصاب الشلل كل أطرافي وحواسي حتى فقدت النطق للحظات فمن حيث أقف بمكاني وعلى بعد عدة أمتار وعلى الباب الخارجي من حيث أتيت كان يقف حيوان ضخم لم أرى له مثيلاً بحياتي من من قبل حتى أنني لم أتبين إن كان ذئباً أو كلب ضخم . كان جسده الضخم يسد مدخل الباب بالكامل . وكانت عيناه الحمراوتان وزمجرته ولعابه الذي يسيل من بين شفتيه كفيلين بإصابتي بصدمة عصبية تيبست على إثرها كل أطرافي . لم يستمر ذلك سوى ثواني لأستعيد تفكيري . الأن فقط أدركت هذا المأزق الذي أصبحت فيه وشعرت بخطورة موقفي فثلاجة الموتى خلفى وذلك الكائن المتوحش أمامي . وقبل أن أجد مخرجاً لي من تلك الورطة كان ذلك الحيوان يقطع الأمتار قفزاً متوجهاً نحوي وعينيه تحدقان بعيني مباشرة وهو بطريقه لينقض علي وبحركة غريزية وسرعة إستجابة لم أكن أظن يوماً أنني أملكها وبفضل ما تدفق لجسدي من إدرينالين عدت للخلف وأغلقت الباب من خلفي بقوة وعنف لأشعر بإصتدام هذا الوحش بالباب بقوة وعنف وصوت أنينه يخترق أذناي وأنا ما زلت أشعر بالصدمة والرعب يسيطر على كل حواسي مما حدث للتو . وقفت بمنتصف الغرفة وعيناي لا تبرحان ثلاجة الموتى وعقلي خارجها يفكر بذلك الخطر الجاثم أمام الباب . نظرت لساعتي والتي تقترب من الواحدة صباحاً مما يعني أنه يتبقى لي سبع ساعات كاملة أقضيها بجوار ثلاجة الموتى وباب ضعيف ومتهالك يفصلني عن وحش يريد إفتراسي فهل يمكنني الصمود ؟
 يتبع....    أيمن موسى

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إبحار في عواصف الحرف - ذات الريش - قصة قصيرة - Aisha Ahmed ***

إبحار في عواصف الحرف - أبي الغالي - مروان خنفر

ابحار في عواصف الحرف - رحلة إلى وادي عبقر 1- مروان خنفر

إبحار في عواصف الحرف - أوان الورد قصة قصيرة - ربا أحمد ***

إبحار في عواصف الحرف - رحلة إلى وادي عبقر 6 - مروان خنفر

إبحار في عواصف الحرف -رحلة الى وادي عبقر2 - مروان خنفر

لاتفلت يدي - لانا محمود

أراقبك -ربا أحمد

إبحار في عواصف الحرف -يوم أن استلبت قلبي في آذار- عبير مصطفى ( البيان بوست )***

النبوءة -ربا