إبحار في عواصف الحرف _ايمن موسى _ المشرحة 3

المشرحة ( 3 )
 يقولون أنه لكل فعل رد فعل مساو له في القوة ومواز له في الإتجاه . ولكنني ولأول مرة بحياتي أواجه هذا الموقف العصيب لأجد نفسي عاجزاً بل ومسلوب الإرادة لأقوم بأي رد فعل قوي أو حتى ضعيف . ولشدة عجزي وخوفي وبغريزة فطرية وعفوية جلست القرفصاء وإتخذت وضعية الجنين ببطن أمه وكأنني أود العودة بالزمن للوراء . دفنت رأسي بين يدي وأغمضت عينايا ظناً مني أنني بهذه الطريقة سأهرب من تلك الورطة وقد بدت لي أنها طوق النجاة الوحيد . حتى وإن كانت نهايتي فأنا لا أود رؤيتها بأم عيني . أود أن ينتهي كل شئ سريعاً وبلا ألم . ربما يمكنني إحتمال الألم ولكنني لا أقوى على رؤيته أو مواجهته . لست وحدي من يفعل ذلك الكثيرين يهربون ولكل منهم طريقته في الهروب من مخاوفه وهواجسه . مرت الثواني ببطء مميت كنت أسمع دقات الساعة وكأنها أجراس كنيسة أثرية تقرع لصلاة يوم الأحد . الأدهى من ذلك والأمر أنني أسمع دقات قلبي وهى تدق بعنف حتى أنني بت أسمع نبضات عروقي أثناء سريان الدماء بشراييني . أتراني أصبحت أمتلك الحاسة السادسة ؟ لماذا صفت كل حواسي بالأخص حاسة السمع لدي والتي أصبحت تنقل لي أصوات هذا الكون الشاسع بشفافية . إلى متى سأظل هكذا ؟ هناك ومن داخلي وبعمق إدراكي هاتف يناديني ويلح علي بإصرار غريب وعجيب . هيا يجب أن تنهض وتقف لتواجه كل مخاوفك وهـواجسك والتي ومما لا شك فيه هى نتاج خيالك وعقلك المتخم بقصص عتيقة وبالية تربينا عليها صغاراً . فتحت عينايا وأنا بنفس وضعية الجنين وليتني ما فعلت لأنني فتحتهما وكأنني لم أفتحهما فأنا لم أر أي شئ وكأنني دخلت بفوهة الظلام الأبدي . بحركة عفوية ولا إرادية مددت يدي لجيوبي بحثاً عن هاتفي لإشعال المصباح ليضئ لي المكان بعد أن إنقطع التيار الكهربائي بفعل الشتاء والرياح وهذا ما رددته بيني وبين نفسي لأجد سبباً مقنعاً حتى لا تزداد مخاوفي وتتغول ويؤججها خوفي وهلعي حتى تلتهمني . كنت أحتاج لسبب أو مبرر وحيد . وما أن عثرت على هاتفي حتى قمت بتشغيله وما كدت أفعل حتى سمعت أسوأ نغمة يمكن سماعها بمثل هذا الموقف وهى نغمة الإطفاء لنفاذ البطارية. نهضت مستنداً على الجدار مطاطئ الرأس مرتعد الأوصال أكاد أغرق في عرقي رغم برودة هذه الليلة الشتوية القارصة . إقتربت من باب الغرفة وأرهفت السمع وأنا أطرق على الباب وما أن فعلت ذلك حتى سمعت زمجرة قوية تأتي من الجهة الأخرى للباب جعلتني أتراجع للوراء وبمنتصف الغرفة تماماً . مع مرور الوقت تعودت على الظلام فتجولت ببصري مرة أخرى لأرى ثلاجة الموتى بأدراجها المتعددة وهنا طرأت لي فكرة مجنونة وهى البحث عن أي بطارية أو شموع بداخل أدراج ثلاجة المشرحة قد يكون وضعها عم توفيق لمواجهة أي ظروف طارئة ولكن هل أستطيع ذلك بالفعل ؟ بالنهاية قررت أن أفتح بعض الأدراج وليحدث ما يحدث . إقتربت بخوف ووجل وتوجهت من جهة اليمين وبإيد مرتعشة فتحت أول درج والذي كان خالياً تماماً من أي شئ . شجعني ذلك على فتح درج أخر والذي كان أيضاً كسابقه . تجرأت أكثر وأصبح الأمر رويداً رويداً إعتيادياً ففتحت كل الأدراج العلوية والسفلية من ناحية اليمين وكانت جميعها خالية من أي شئ . توجهت جهة اليسار وبدأت من الأعلى وأنهيت أيضاً كل الأدراج ويدي ترتعش من قبلها قلبي . نظرت نحو الثلاجة والتي لم يتبقى بها سوى ثلاثة أدراج سفلية وهنا توقفت لبرهة ربما لأستجمع قواي المنهكة ولأستعيد معها كلمات زميلي بالمناوبة السابقة والذي أخبرني أنه لا يوجد بالمشرحة سوى ثلاث جثث . أتراني لم أسمعه جيداً أو ربما هو قصد فقط أن يخيفني ولا توجد أي جثث ؟ ولكن مهلاً عندما تحدثت مع عم توفيق بالهاتف هو أيضاً أخبرني عن وجود ثلاث جثث وسيتم دفنها ظهر الغد . يا الله كم أصبح الأمر أكثر رعباً وخوفاً فالأن أصبحت أعلم مكان الجثث بالتحديد . ما زلت أحدق بالأدراج الثلاثة وأنا بمواجهتها مباشرة وقد تعدى الأمر لدي البحث عن بطاريات أو شموع وأصبح لدي فضول غريب لفتح الأدراج والنظر بداخلها . ربما كان الأمر تحدياً من نوع خاص . تحدياً لمخاوفي وهـواجسي ومواجهتها . أخذت نفساً عميقاً وتنهدت بعد أن زفرت لأخرج كل إنفعالاتي وأنا أمد يدي وأفتح الدرج الأول من الثلاثة . ما هذا وهل يعقل ذلك ؟ هذا الدرج أيضاً خالي ولا توجد به أي جثث ! فتحت الدرج الثاني والثالث وكانا كسابقهما خاليان من أي شئ ! إذن أين ذهبت الجثث الثلاث ؟ هل تبخرت ؟ هل يعقل أنها بالثلاجة ولم أراها ؟ هل كذب زميلي علي ولماذا ؟ هل كذب عم توفيق ولكن لمَ قد يفعل ذلك ؟ أنا الأن أقف بمواجهة ثلاجة الموتى ذات الجسم المعدني المصقول والذي يشبه المرأة ببعض الأحيان حتى أنك تستطيع رؤية ملامحك من خلاله . ولكن وبهذا الظلام الحالك لم تكن ملامحي هى من رأيتها إنما رأيت ما جعل شعر رأسي يقف والدماء تتجمد بعروقي فلم تكن الثلاجة تعكس لي وبوضوح تام سوى ثلاث هالات بيضاء تحدق بي وبعمق . تسمرت أقدامي بالأرض لأتحول لجبل راسخ لا يستطيع الحراك أو مبارحة مكانه . استجمعت ما تبقى لدي من أنفاس وبقلب واجف وروح منهكة وبإستسلام كامل ويأس إستدرت . وما كدت أفعل حتى رأيت أسوأ كوابيسي قاطبة . فعلى بعد أمتار قليلة مني وخلف طاولة التشريح مباشرة وفوق المقاعد الثلاثة وبهذا الظلام الحالك والليل الداكن كانت تواجهني أسوأ مخاوفي وهـواجسي وبطريقة مسرحية ثلاثية الأبعاد . نعم ما أراه بأم عيني ليس وهم من نسج خيالي أو نتاج خوفي بل أنا على يقين أنني أشاهد ثلاثة جثث بالأكفان البيضاء بددت هذا الظلام الدامس . أنا الأن أصبحت بلا حول ولا قوة بإنتظار ما ستسفر عنه اللحظات القليلة القادمة .
 يتبع أيمن موسى

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إبحار في عواصف الحرف - ذات الريش - قصة قصيرة - Aisha Ahmed ***

إبحار في عواصف الحرف - أبي الغالي - مروان خنفر

ابحار في عواصف الحرف - رحلة إلى وادي عبقر 1- مروان خنفر

إبحار في عواصف الحرف - أوان الورد قصة قصيرة - ربا أحمد ***

إبحار في عواصف الحرف - رحلة إلى وادي عبقر 6 - مروان خنفر

إبحار في عواصف الحرف -رحلة الى وادي عبقر2 - مروان خنفر

لاتفلت يدي - لانا محمود

أراقبك -ربا أحمد

إبحار في عواصف الحرف -يوم أن استلبت قلبي في آذار- عبير مصطفى ( البيان بوست )***

النبوءة -ربا