إبحار في عواصف الحرف _ ايمن موسى _ المشرحة 4
المشرحة ( 4 )
إسمي عماد لا أختلف كثيراً عن الكثيرين منكم . فأنا من ترك الزمن أثاره على ملامحي ونحتت الهموم بوجهي أوكارها حتى أصبحت كهلاً وأنا ما زلت بنهاية العقد الثالث من عمري . كيف أتيت إلى هنا ؟ وأنا من أولئك الذين لا يدخلون بيوتهم حتى ينيرون كل الأضواء خوفاً من أن يلتهمهم الظلام أو تتخطفهم الأشباح . نعم أنا مثلكم تربيت على تلك القصص والخرافات التي تتحدث عن الغول وأبورجل مسلوخة وأيضاً عن عفاريت الموتى الذين ماتوا بالقتل أو الإنتحار . عن حكايات الأشباح التي تسكن المقابر وتعترض المارة بالظلام . حتى الخوف من خزانة الملابس ومـن أسفل الفراش وكأن هناك من يختبئ بهما بإنتظار أن أطفئ الأضواء فيحل الظلام ليبتلعني . أنا عشت طفولتي خائفاً فكل ما يحيط بي يمثل مصدر خوف ورعب وفزع . تربيت على قصص الأشباح وغيرها والتي سكنت عقلي وأصبحت تقتات على روحي حتى تغولت لتلتهم كل حواسي . تربيت على الكثير من اللاءات . لا تفعل لا تذهب لا تسمع لا ترى لا تسأل لا تفكر . كثيراً ما أشعر أنني روحين وعقلين وفكرين منفصلين يجمعهم جسد واحد . نعم أنا الشجاع حد التهور والضعيف حد الجبن . أنا الإيجابي عندما يتعلق الأمر بغيري والسلبي فيما يخصني . أنا من أخشى المسير منفرداً حتى وإن كان طريق الصواب وأفضل المسير ضمن القطيع حتى وإن كان طريق الهلاك . هذا أنا الشئ ونقيضه بنفس الوقت . أنا لست هنا وتلك الجثث ذات الأكفان البيضاء ليست حقيقية إنما هى من نسج خيالي المتخم بالخرافات والخزعبلات . نعم أنا داخل كابوس مزعج وعندما أفيق من نومي سأردد تلك العبارة الشهيرة (خيراً اللهم إجعله خيراً ) هذا تصور جيد ويناسبني وما دام كذلك فلا يضيرني شئ إن واجهت تلك المخاوف والخرافات . سأستدير وعندما أفعل لن أجد أي شئ مما أخشاه أو أخاف منه . تنفست بعمق وقمت بالعد من واحد لثلاثة . كعجوز بالعقد التاسع من عمره قاومت لأستدير وما كدت أفعل حتى تسمرت أقدامي وجحظت عينايا وأنا لا أكاد أصدق ما أراه أمامي مباشرة . هل تذكرون تلك الطاولة والمقاعد الثلاثة ؟ نعم إنها طاولة التشريح . هل فكرت بشعورك عندما تطالع ثلاثة أكفان بيضاء فضفاضة تغطي ثلاثة أجساد ؟ نعم ثلاثة جثث ترتدي الأكفان البيضاء بينما منطقة الرأس ليست سوى قناع يخفي ما خلفه ما عدا العينين والتي كانت فارغة ومجوفه تحيط بها الهالات السوداء من تحت الجفون كمن جفاه النوم منذ سنوات . أصبح الأمر أكثر جموحاً وجنوناً ، هل يعقل أن يكون هذا من تأثير الحشيش ؟ ولكنني لا أشرب الحشيش . عدم شربي للحشيش ليس تدينا أو حتى خوفاً من القانون ولكن وببساطة أنا لا أمتلك ثمنه . هل جربت ذلك الإحساس عندما تصبح أمام خيارين أحلاهما مر ؟ أنا الأن محاصر من جميع الجهات فمن ناحية هناك ذلك الوحش الجاثم أمام الباب يتتظر خروجي لإفتراسي ومن جهة أخرى ثلاثة جثث ترمقني بريبة وحذر . حتى رفاهية الصراخ لا أملكها . ناهيكم عن تلك الأمنية بالغياب عن الوعي أو الدخول بغيبوبة تنجيني من هذا المآزق . ولكن مهلاً لماذا يحدقون بي هكذا ؟ بل لماذا ينظرون لي بريبة وشك ؟ أتراهم يخشون وجودي كما أخشاهم ؟ وما كدت أتحرك ناحية الغرفة الملحقة بالمشرحة والتي تحتوي على الفراش حتى لمحتهم يتحركون نحوي مباشرة . الأن فقط علمت كيف يقف شعر الرأس وكيف يتجمد الدم بالعروق وكيف تتحول الصرخات إلى صوت مبحوح وآنات مكتومة . كانوا يلتفون من حولي وكأنني كائن فضاء غريب أو شبح . ما هذا هل يتحدثون حقاً ؟ نعم بـلا شك يتحدثون فأنا أسمع أحدهم يتحدث وهو يشير لي قائلاً يبدو أنه يرانا . رد عليه الأخر بتعجب ولكن كيف ذلك ! بينما أشار لي الثالث قائلاً بنبرة صارمة . هل يمكنك رؤيتنا ؟ عبثاً أحاول إبتلاع ريقي الجاف ولكن دون جدوى . كرر سؤاله هذه المره بغضب . هل ترانا ؟ أنا بصوت مرتعش وبخوف . نععععععم . إقترب أحدهم مني وهو يقول تقدم . تسمرت بمكاني ليتقدم هو وما كاد يفعل حتى تجاوزني وكأنني هواء . نظروا لبعضهم البعض وهم يقولون نعم ذلك يفسر الأمر . أي أمر ذلك الذي يتحدثون عنه ؟ لا أنكر أن الأمر قد أثار فضولي وبشدة حتى أن الفضول لدي قد تفوق ولأول مرة منذ حضوري على خوفي وفزعي . أدركت أنهم يرونني كما أراهم وما دام الأمر كذلك فبالتأكيد سيسمعونني كما أسمعهم . هنا إستجمعت كل شجاعتي لأقول بصوت واهن وبلكنة تشبه الهمهمة . عن أي أمر تتحدثون ؟ وما ذلك الأمر الذي يفسره ما حدث ؟ توجه أحدهم نحوي ليتجاورني متوجهاً نحو الغرفة الصغيرة وهو يشير لي لأتبعه . تبعته بإستسلام ليتوقف أمام زجاج النافذة وهو يشير لي لأنظر حيث أشار . رباه ما هذا الذي أراه ؟ ولكن كيف ؟ وهل يعقل ذلك ؟# يتبع أيمن موسى


تعليقات
إرسال تعليق