حافلة الزمن - لانا محمود


حافلة_الزمن

تململت في سريري غير راغبة بالنهوض ...شيء يدعوني للتكاسل كديدني كل صباح ...و صوت امي ينفض ذلك الشيء عني ...اعلم اني اذا تأخرت أكثر...فسيكون جميع الجيران مدعوون للاستماع لمعزوفة الصباح والتي تصدح بكل سيئة من مساوئي وتضيفها للجيل بأكمله ....تحاملت على نفسي و نهضت ...نظرت للمرآة وأفزعني انعكاس صورتي فيها ...تبدو مفزعة لأي بشري ....لربما كان هذا سبب انفتال زوجي عن الحياة بعدما كان يشاهد منظري المربع لمدة أربع سنوات...يا له من مسكين ...توجهت لمقر إدارة البيت ...غرفة امي ألقيت عليها تحية الصباح و انحنيت أقبل يديها و ما بين عينيها....تبسمت لي ابتسامة تبدو مثقلة بالهموم...وتنهدت قبل أن تقول بصوتها الحازم ...اسمعي يا ابنتي ...لقد كان عريس البارحة رقم عشرة الذي تجعلينه يرتدي أجنحة الوطواط البشري ليلوذ  بالفرار إلى غير رجعة ...اعلمي اني لن ابقى لك مدى الحياة ....و ان ابنتك الصغيرة نورز لن تبق في حضنك للابد ...قد يطالب بها اهل زوجك حينما تبلغ السن القانوني ...او ستحلق بعيدا عنك إلى حضن رجل تختاره هي بعد أن تكون زهرة شبابك قد ولت...
عبارة زهرة شبابي كادت تدفعني لنوبة مجنونة من الضحك حينما تذكرت انعكاس صورتي في المرآة ....و لكني لم أجرؤ على ذلك....فوالدتي تقليدية تنتمي لعقلية القرون الوسطى....قراراتها و قوانينها صارمة و لا تحب الجدال ولا المزاح ...لم أكن اعي ما استكملت به حديثها ..حتى اخرجني صراخها من غفلتي و هي تقول بصوت صارم ...ااكلم نفسي؟؟!! ...
هززت رأسي نافية و انا اقول...
لا يا امي اني أصغي إليكِ...
زفرت زفرة حارة ثم اردفت....إذن ستنفذين كل ما طلبته منك ...
لم أجرؤ أن أخبرها أني لم أسمع شيئا مما قالت ...و تذكرت قوانين تطبيقات التواصل الاجتماعي على الإنترنت...التي غالبا ما نقرها دون أن نقرأها....
اومأت براسي إشارة على الموافقة و قلت بصوت متلعثم مرتجف ...س...أنننففذ ...
ابتسامة الرضا و الراحة و السعادة ارتسمت على محياها ...كدت أخبرها أنها تبدو اجمل من نيسان حين تبتسم ...لكني لم أجرؤ على ذلك حتى لا تتحول لعاصفة رعدية ....تناولت طعامي المعد بسرعة و استحممت سريعا لارتدي ملابسي على عجالة فأخرج مسرعة فالحق بحافلة عملي ....
و بعد قليل من المسير و كديدن كل يوم توقفت الحافلة تارة أخرى ليستقلها رئيس قسم المحاسبة الذي اعمل فيه ...هذا الشخص السخيف السمج الذي لا أطيق مجرد ذكر اسمه كان لا يحلو له عند الجلوس في الحافلة إلا الجلوس إلى جواري ...فاستدير كعادتي إلى نافذة الحافلة لاقطع عليه محاولة فتح اي حوار و تجاذب اي حديث ....لكنه اليوم كان يبدو سعيدا جدا و هو يجلس بجواري و عندما التفت للنافذة كعادتي وخزني منبها في كتفي....ساءتني جرأته ...و قبل أن أهدر منفعلة امام ابتسامته الواثقة قال بكل هدوء ...
بالتأكيد قد أخبرتك والدتك هذا الصباح بالأمر...لقد اتصلت بها قبل قليل و اخبرتني انك موافقة ....
ذلك الوجه الابله الذي ارتسم على ملامحي بعد أن تجمدت ثورتي امام صدمتي و عدم قدرتي على الاستيعاب كان يصلح لرسم لوحة بعنوان الفاتنة البلهاء ...حاولت أن استعيد ملامح وجهي لكنها على ما يبدو قد تجمدت على هذا النحو و خاصة مع استئناف ذلك السمج لحديثه  و هو يقول ...
كوني واثقة يا روان اني سأسعدك سعادة ما بعدها سعادة ...اما زوجتاي فلن تلتقيهما...سأستقل لك بيتا منفردا و ستكونين أميرته.....
لم أعرف كيف صعد الدم إلى رأسي كبركان مشتعل بعد نحمده السابق ....فوجدتني انهض صارخة به ....
ما هذا الكلام أيها المافون؟؟؟!!!....انا اقبل بك و انا اعلم انك زير نساء ....و زوجتيك تعانيان منك أسوء معاملة ...و الكل يعلم بأنك أسوء رجل على هذا الكوكب ...حتى لفظة رجل انت غير جدير بها ..يا عديم المروءة ....نهضت من مكاني لأغادر الحافلة ...لكن الدوار الذي أصابني بسبب حركتي المفاجئة أثناء تحرك الحافلة مع انفعالي الشديد  جعلني افقد توازني...لاصطدم بالنافذة فافقد وعيي ...
لم اعلم كم مر من الوقت ...لكني شعرت حين فقدت وعيي برأسي بيضاء مفرغة و انتقال سمعي و بصري لخارج حيز الإدراك....ثم افقت و ذلك الوجه البغيض أمامي مسندا رأسي بيده و باليد الثانية يمسك منديلا تفوح منه رائحة عطرية نفاذة...و قطرات الماء على وجهي تخبرني بمحاولات متنوعة لافاقتي ...اشحت بوجهي عنه و أصوات مختلفة تقول حمدا لله على سلامتك يا روان ...
اجبتهم....اريد الخروج من الحافلة ....فوجودي هنا يخنقني ...و بكل سماجة حاول استاذ وسيم مساندتي للنهوض و المغادرة ....التفتت إليه قائلة....لو سمحت ابتعد عني و ساكون بخير ....
وجهه المكتنز و الذي أصبح قانيا لشدة الإحراج تجهم في حين غمغم بهمسة بدأ لي انه يشتمني و هو يبتعد عني ....
نهضت من مكاني و رأسي ثقيلة جدا كأنها تزن طن من اسمنت ....نزلت من الحافلة و انا مثقلة الخطى ...إلى أين سأذهب....لم أكن منتبهة لثيابي التي لمعت زجاج النافذة و أرضية الحافلة بعد انتقال غبارهما إليها...عاد الدوار فاستندت إلى عمود الانارة العام ....لم أكن اعي انه قد تم دهنه مؤخرا و لم اكن منتبهة لتنبيهات المارة من حولي و هم يحذرونني من الاقتراب من العمود حتى لا تتسخ ملابسي ...و لم أع كيف وصل صوت امي مع غمغمة تلك الأصوات الكثيرة و ثمة شخص يهزني بعنف لينقلني من عالم الأحلام الى عالم الواقع ....ليطالعني وجه امي مبتسما مع لمحة من القلق تبدو على محياها...تنفست الصعداء و هي تقول بحنان ...
اخيرا استيقظت حبيبتي ...لم يتبق الكثير من الوقت على اختبار اللغة العربية في جامعتك ....منذ وقت و انا احاول ايقاظك دون فائدة ...
تنفست الصعداء و انا استريح من ثقل ذلك الكابوس ...الحمد لله....فمن طالبة جامعية في السنة الثانية في قسم آداب لغة عربية...الى أرملة و ام لطفلة تبلغ من العمر ثلاث سنوات و محاسبة بشركة يرغب مدير قسمها بضمها لقافلة جواريه ...الحمد لله انه كان حلما لا ينتمي لواقعي الذي أدركت الآن كم جماله ...فيكفيني من الحياة أن هذه المخلوقة الحنونة الرائعة هي أمي  و التي أصبحت أرملة و هي لم تكمل بعد عامها الثالث بدلا من تلك الأم المستبدة التي تشبه سجاني عصور الجليد...


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إبحار في عواصف الحرف - ذات الريش - قصة قصيرة - Aisha Ahmed ***

إبحار في عواصف الحرف - أبي الغالي - مروان خنفر

ابحار في عواصف الحرف - رحلة إلى وادي عبقر 1- مروان خنفر

إبحار في عواصف الحرف - أوان الورد قصة قصيرة - ربا أحمد ***

إبحار في عواصف الحرف - رحلة إلى وادي عبقر 6 - مروان خنفر

إبحار في عواصف الحرف -رحلة الى وادي عبقر2 - مروان خنفر

لاتفلت يدي - لانا محمود

أراقبك -ربا أحمد

إبحار في عواصف الحرف -يوم أن استلبت قلبي في آذار- عبير مصطفى ( البيان بوست )***

النبوءة -ربا