جدتي ٣ -لانا محمود

#جدتي3
ساءني الخبر....قالوا جدتك مريضة...
أسرعت الى غرفتها ...و لشدة قلقي عليها ولجت غرفتها دون استئذان ...وجهها الباهت ارعبني...و عينيها الذابلتين استثارتا كوامن الدمع من عيني ....أسرعت الى جوارها ...امسكت يدها العتيقة ....قبلتها ....و الدمع يتتالى كنهر لا يتوقف ...اعيتني الكلمات ....فعجزت عن نطق أي كلمة ...كأن صدمتي لرؤية جدتي على هذه الحال قد اغلق.مني مخارج حروفي و صادر صوتي....
ربتت جدتي على كتفي بوهن ...و قالت بصوت خافت....
_لا تبك صغيرتي ....فدموعك تحرقني....احبك قوية يا لانا ...و لتطمئني يا صغيرتي....فأنا بخير و الحمد لله....
حاولت ان ألجم دمعي امتثالا لطلب جدتي....حاولت النطق لكنني مجددا لم استطع ....بل على العكس زاد تدفق الدمع و توالى نشيجي ....فضمتني جدتي لصدرها و اخذت تربت على ظهري ...و هي تقول....
كفاك صغيرتي .....تعالي الى جواري لاحدثك ...ألست تحبين حديثي ؟
اومأت براسي لجدتي و انا ابتعد عن حضنها ...لاجلس بجوارها و قد بدأت روحي تستكين و السلام يغشاها...
انطلق صوتها الواهن ينساب في اذني عن حكايا حاكورة جدي رحمه الله ....و انواع المحاصيل التي كان يزرعها و الخيرات التي كان تفيض بها مدينة اللد....و قراها ....و مواسمها ....و عادات اهلها في الافراح و الاحزان....
و دون وعي مني اندفع السؤال الثائر الكامن داخلي و انا اقول...
#كيف رضيتم جدتي ان تتركوا كل خيرات اللد و ترحلوا نحو المجهول ....كيف تركتم اراضيكم و خرجتم ....كيف هانت عليكم......
تنهدت جدتي و شعرت بلهيب زفرتها الموجوعة و هي تقول ...
_مثلنا يقول "م رماك ع المر الا الأمر منه" ....نحن يا ابنتي لم نترك اراضينا طواعية ....لا يوجد فلسطيني رضع حب الأرض و تعتق في دمه و ترك ارضه عام 1948 طواعية .....
اندفعت بكل انفعال و انا اقول....
#حتى و ان يكن يا جدتي .....فالخوف من الموت ليس مبررا لتتركوا اراض يعذب الموت و كحلها ملء العين ...كيف تركتوها يا جدتي ....كيف هانت عليكم....
احتضنتني جدتي و هي تبكي لبكائي و هي تقول.. .
_نحن يا ابنتي لم نكن نعي بالمؤامرة الكبرى ....كنا اناس بسطاء و لم يكن هناك اعلام يربط العالم من اقصاه لاقصاه و ينشر الوعي لنستبين طرق الهداية و الضلال ...لقد غرر بنا ساسة العرب ....اوهمونا انهم يعدون العدة لقتال بني صهيون...و ان الجيوش العربية تحتشد على اطراف فلسطين و ستعيد كامل فلسطين لاهلها....فانبرى خبرة شبابنا للانخراط مع الفدائيين ...و الجيش العربي الموعود....لا انكر ان الذعر كان منتشرا في جل  فلسطين المحتلة عام 1948 و الذي كان قائما على المجازر التي قامت بها عصابات الصهاينة في المناطق التي اقتحموها ...و التي كان الصهاينة يستخدمون التسجيلات الصوتية لتلك المجازر المرتكبة في تلك المناطق عبر مكبرات الصوت في بث الرعب في المناطق الجديدة التي كانت تقتحمها العصابات ...تخيلي يا طفلتي حين تبدأ المكبرات ببث صوت صراخ الاطفال و هم يبكوا ابائهم و امهاتهم و اصواتهم و هم يتوسلون للصهاينة بألا يقتلوا ابيهم ثم امهم ثم جدهم و جدتهم او اخيهم فلان او اختهم فلانة ....حتى يأتي صوت الطفل المذعور حين يصرخ صرخته الأخيرة قبل ان يتم ذبحه.....و تعالي قهقهقة بني صهيون و هم يقولون بالعربية الركيكة ...."أنتو أرب موش لازم تعيشوا....كلكم بدكم نكتلكم."....
يا ابنتي كما يقول المثل ...."الي ايده ف المي مش زي الي ايده ف النار "
لم نسلم البيوت لبني صهيون ....و لم نترك لهم اراضينا ملء الرضا او تخاذلا عنها .....لكنه القهر و التخاذل و خوفا على اطفال لم يكن لهم حيلة ....و نظرات الخوف في اعينهم حينما تتوالى تلك الاصوات عبر مكبرات الصوت...و انعدام وجود السلاح في مواجهة العصابات الصهيونية المسلحة.....اضافة لنصح الفدائيين لنا في بعض الأحيان لترك بعض المناطق ليتولوا عبء المقاومة فيها انتظارا للمدد من الجيوش العربية....
#هل كان هناك فدائيين فلسطينيين يا جدتي تحدوا احتلال الصهاينة لفلسطين ....
_اشهد يا ابنتي ان خيرة شبابنا انخرطوا للعمل الجهادي فداء لفلسطين...و قد اقسموا ان يفدوا الوطن بارواحهم و قد فدوه ...و لكن يا ابنتي ....لم يكن هناك وفرة في السلاح ...كما كان الكثير من السلاح معطوبا ...اضافة لوجود المندسين في صفوفهم ....يا ابنتي كنا نسير في طرق المجهول نحو الضياع و نرى جثث الفدائيين متناثرة هنا و هناك ....كان اخي أحدهم ....وجدنا جثته خلال ترحيلنا عن اللد.....
الى الله المشتكى ....و منه العون ....وااسفاه على ما.فرط ساسة العرب في فلسطين ....كما فرط أخوة يوسف فيه....
احتضنت جدتي و بكينا ....
رحمة الله عليك جدتي ....  #سنعود_يوما

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إبحار في عواصف الحرف - ذات الريش - قصة قصيرة - Aisha Ahmed ***

إبحار في عواصف الحرف - أبي الغالي - مروان خنفر

ابحار في عواصف الحرف - رحلة إلى وادي عبقر 1- مروان خنفر

إبحار في عواصف الحرف - أوان الورد قصة قصيرة - ربا أحمد ***

إبحار في عواصف الحرف - رحلة إلى وادي عبقر 6 - مروان خنفر

إبحار في عواصف الحرف -رحلة الى وادي عبقر2 - مروان خنفر

لاتفلت يدي - لانا محمود

أراقبك -ربا أحمد

إبحار في عواصف الحرف -يوم أن استلبت قلبي في آذار- عبير مصطفى ( البيان بوست )***

النبوءة -ربا