طيف أبيض - ربا
" ابنةُ الشمس .. طيفٌ أبيض "
وها قد عدت من جديد، عدت ولا أعلم لماذا فعلت؟! لمَ أتعمد أن أجلب لقلبي الألم؟!!..
لم أشعر يوما بتلك الغربة التي أشعرها الآن؟.. هذا المكان الذي ظل لسنوات أَحَبُّ الأماكن إلى قلبي، والذي أجد فيه نفسي المتوارية خلف جدران المشفى وأدوات الجراحة.. بات في تلك اللحظة كالوحش الجاثم على صدري !
تأملت غروب الشمس النازف كالدماء فوق ثوب الطهر، وتأوهت قهرا لتلك الذكرى التي تأبى مغادرتي، وهي التي لم ترافقني إلا بضعة أيام !!
آه يا شاطئ الرحيل .. كيف لطيف عينيها أن يحتل كياني؟ ويشاركني على مدار عام كامل كل تفاصيل حياتي، حتى أنني كنت أبذل جهدا خرافيا كي أبعده عن تفكيري وأنا أمارس عملي حتى لا أتسبب في قتل أحدهم دون ذنب !!..
بل كيف لصوت لم أسمعه إلا من خلال بضع كلمات تلت صراخ يائس أن يسكنني فأصبح أسيرا مصفدا في سجنها الأبدي !!
رفعت رأسي للسماء أرجوها أن تمطر فتغرقني وتجمد حواسي؛ ربما أفقت وقد تخلصت مما أنا فيه..
وكأن السماء قد التقطت رجائي، وكأنها تعلم بحالي فأجابت ندائي الصامت دون إبطاء !
ها هو البرق يشق عنان السماء كالسهم الناري، والرعد يحدث ضجة تهتز لها جميع أركان الأرض، وما هي إلا ثوان معدودة حتى انفتحت أبواب السماء ليهطل الماء عليّ مدرارا، وكأني شعرته يعاقبني لا يواسيني!!
ضممت كنزي الثمين إلى صدري تحت معطفي الثقيل؛ خشية أن يفسده الماء، ويذوب محتواه فأخسر الشيء الوحيد الذي بقي من أثرها، والذي ربما بطريقة ما خلّفته لي قبل رحيلها.
تحركت عيناي حيث النقطة التي ظهرت منها في حياتي للمرة الأولى فعاثت فيها ودمرتها دون أن تدرك ذلك أو تتعمد فعله !
اقتربت من البيت المصيفي الأنيق، ثم صعدت درجاته الثلاث، ومع كل خطوة كنت كأنني أعود بالزمن اثني عشر شهرا ...
كان بداية الأسبوع الثاني من شهر كانون الأول من العام المنصرم.. الطقس بارد جدا والسماء ملبدة بالغيوم الرمادية.. موج البحر كان مرتفعا إلى الحد الذي يرهب أي شخص من المجازفة بالسباحة داخله وإلا ابتلعه ثم قذفه بعد أن يُشبع رئتيه بما يقضي عليه..
تأملت البحر طويلا وأنا أسأل نفسي: أي جنون هذا الذي أتى بي إلى هنا في هذا الوقت من العام؟!.. وما لبث عقلي أن أجاب: ربما لأنه المكان الوحيد الذي لن يتخيل أحد أن أكون فيه، وبذلك أكون قد نجحت في الهرب من كل شيء.. حقا أنا بحاجة إلى الهرب والاختباء عن أعين الجميع.. أنا بحاجة لأن أكون وحيدا !
عدلت من وضع نظارتي الطبية وأنا أحاول أن أنفض عن رأسي أي شيء يذكرني بعملي.. أنا هنا كي أفعل ما أحب .. فقط ما أحب.
تحركت لأفتح حقيبة سيارتي ثم شرعت في إخراج حقيبة سفري التي تحتوي على كل ما أحتاجه في تلك العطلة القصيرة التي منحتها لنفسي بعد أشهر طويلة من التعب والإرهاق ما بين غرفة الطوارئ وغرفة العمليات.. وبعد ما يقرب من الساعتين، وبالتحديد حين لحظة عناق الشمس مع الماء الذي أوشك على ابتلاعها، كنت أقف أمام هذا المشهد المهيب الذي لا أمل من مراقبته في كل مرة أكون فيها في هذا المكان.. ذلك المشهد المقدس الذي يبعث في نفسي سؤالا يحيرني لأني لم أجد بداخلي إجابة مقنعة له.. لمَ تهرب الشمس منه كل صباح ما دامت ستعود لتموت بين ذراعيه في المساء؟!.. هل لم تعد تؤلمها تجربة الموت المتكرر؟!.. غريب أمر هذا الحب.. توقن بأنه سيغرقها فيه لا محالة لكنها ترحب بالموت في كل مرة !!
ابتسمت بسخرية لأفكاري المجنونة عن موت الشمس في أحضان البحر وأنا أدير رأسي عن مسرح الجريمة، وأشيح عن مصرع الشمس المغدورة لأجدها هناك… تشرق من مكان آخر ليس ببعيد !!
يا إلهي .. كنت أتخيل أنني المجنون الوحيد الذي يعشق الهرب إلى هذا المكان في هذا الوقت من العام .. لكن لدهشتي كانت هناك مجنونة أخرى تشاركني المكان .. وربما مجانين آخرين معها هنا؛ فمن البديهي أن مثلها لن تأتي بمفردها وخاصة مع خلو المكان من البشر !!
عدت أركز نظراتي عليها لكن دون أن أشعرها بذلك.. تتحرك بخطوات بطيئة كالمسحورة .. تقترب من سيارة بيضاء أنثوية التصميم تصطف بجانب البيت الصغير… لحظة .. كيف لم أنتبه لوجود تلك السيارة لحظة قدومي؟!.. نعم، ربما أتيت أنا أولا.. بالتأكيد هو كذلك وإلا لكنت انتبهت لها وأدركت أنني لست وحيدا وأن هناك رفيق في الجوار... ما هذا التفكير الآن !!
عدت بتركيزي عليها، كانت تغلق باب السيارة بعد أن أخرجت منها معطفا أبيض وارتدته لتضم طرفيه إلى صدرها تتلمس منه دفآ من الواضح أنها تحتاج إليه بشدة حتى أنها لم تهتم بتحرير خصلاتها من قيده!
وقفت وقد بدت عليها الحيرة .. من الواضح أن هناك ما يشغلها.. صعدت درجتين، ثم نزلت لتتجه إلى السيارة لتفتحها وتخرج منها دفترا أبيض اللون.. لحظة… ما حكاية اللون الأبيض معها؟!.. السيارة، الملابس، حتى المعطف والدفتر.. هل تراها مجرد صدفة أم أنها تتعمد اقتناء الأبيض في كل شيء؟!! عدت بانتباهي إليها فرأيتها تتحرك ناحية البحر… تحفزت حواسي وأنا أتهيأ لاقترابها المحتمل مني وانتباهها لوجودي.
ما هذا؟! .. لقد مرت من جانبي دون أن تلتفت لي.. بل تجاوزتني كأنها لم ترني !.. ألم تنتبه لوجودي حقا؟! .. هل تراني شفافا إلى هذه الدرجة؟!
ابتسمت لتلك الفكرة وأنا أراقب ابتعادها عني واقترابها من البحر !
مر الوقت بطيئا وأنا أراقبها واقفة أمام البحر كتمثال إغريقي تضربه الرياح بقوة فيتألم لكنه يتصنع الصمود.. لقد بدت لي في تلك اللحظة كأنها تجلد ذاتها لتختبر مدى قوتها وهي في الحقيقة هشة للغاية !
غاب أخر أثر للشمس بعد أن أغرقها البحر في أعماقه باسم الحب، وأعلنت السماء الحداد عليها فاتشحت بالسواد الدامس، وبدا المكان من حولنا مخيفا حقا، وخاصة مع صوت الموج الذي يتخلله صدى الرعد من آن لآخر.
انتظرت أن تتحرك عائدة إلى بيتها كي أعود أنا أيضا لكنها لم تفعل، ولكي تزيد من حيرتي وتوجسي تخلت عن وقفتها الشامخة وهي تفترش رمل البحر وقد رفعت ركبتيها إلى صدرها لتحتضن ساقيها وتريح رأسها عليها وتبقى ساكنة هكذا لدقائق طوال أصابتني بالملل والغضب الذي تبدد وأنا ألاحظ إهتزاز جسدها وأدرك ما يحدث… يا إلهي.. إنها تبكي !!
في تلك اللحظة أيقنت أنها ليس لديها رفقة، بل هي وحيدة.. وحيدة وحزينة.. بل حزينة جدا.. ليتني أعرف سبب حزنها وبكائها.. ربما لو اقتربت منها أستطيع أن…
تلاشت أفكاري وأنا أراها تنهض من مكانها بإعياء واضح، ثم تتحرك بنفس بطء السلحفاة عائدة إلى بيتها المجاور لبيتي.. وأيضا لم تنتبه لي إطلاقا .. هل أنا حقا شفاف إلى تلك الدرجة؟!
عادت الابتسامة الساخرة ترتسم على شفتي وأنا أواصل مراقبة خطواتها المبتعدة بعد أن تجاوزتني للمرة الثانية وحتى توارت خلف الباب.. في تلك اللحظة أطلقت زفيرا يعلن عن راحة ضميري بالاطمئنان عليها قبل أن أتحرك عائدا إلى بيتي المصيفي المجاور لبيتها والذي تفصله عنه عدة أمتار.
جفا النوم عيني في تلك الليلة، و بقيت أقلب صفحات (حلم رجل مضحك) لـ ديستوفسكي رغم أنني لم أركز في حرف واحد مما أقرأ بسبب تلك الجارة الحزينة التي تماثلني في الجنون، والتي استحوذت على تفكيري حتى أنني لم أمنع نفسي من أن أتخذها بطلة غامضة لرواية لا أعرف ما هي فكرتها ولا ما هو عنوانها.. لكني أعلم من أين أبدأها رغم جهلي إلى أين ستنتهي !!
عند الرابعة صباحا كنت قد غرقت في النوم فوق الأوراق المتناثرة على الأريكة من حولي، حتى باغتتني وأزعجتني أشعة الشمس التي اخترقت النوافذ كسهام الحرب النارية؛
فحاولت أن أفتح عيني عدة مرات حتى نجحت أخيرا وأخذت أتثاءب وأنا أعتدل في نومتي غير المريحة.. وما هي إلا عشر دقائق حتى نهضت من مكاني و تحركت بخطوات متثاقلة نحو النافذة لأشرعها وأراقب البحر ومشهد الشروق المقدس.. لكن المشهد الذي رأيته يطالعني من بعيد كان أجمل كثيرا من شمس النهار !!
كانت شمس الليل تقف أمام البحر في ثوب أبيض فضفاض قد اتخذت منه الرياح مرماها وأخذت تسدد له الضربات وهو صامد رغم وهنه الشديد، بالضبط كمن ترتديه !!
لا أعرف ماذا دهاني في تلك اللحظة.. كنت أتحرك في المكان بسرعة كبيرة.. ولم تمر ربع الساعة حتى كنت أنزل الدرجات و أتحرك نحوها في خطوات ثابتة وواثقة.. هذه المرة من المستحيل أن أدعها تتجاهل وجودي.. لابد أن أعرف ما السر وراء حزنها !
-صباح الخير.
قلتها بعد أن تنحنحت لأجلي صوتي و أنبهها لوجودي.. انتظرت ردها فلم يأت كما أنها لم تلتفت إلي، وقتها تأسفت على حالها و أشفقت عليها؛ ربما المسكينة تعاني من الصمم !!
تحركت حتى أصبحت أمامها مباشرة، و ابتسمت ابتسامة عريضة وأنا أعيد التحية فأجبرها على الاعتراف بوجودي معها في المكان لأنني من المستحيل أن أقبل بالتجاهل لكنها و لدهشتي لم تفعل، و أشاحت بوجهها عني وكأنها تترفع عن رد التحية حتى ولو بالإشارة، وذلك أزعجني كثيرا فابتعدت عنها وأنا ألوم نفسي.
مر ما يقرب من الساعة وأنا أراقبها بطرف خفي تقف في مكانها أمام البحر تحتضن دفترها الأبيض، وبعينها نظرة متحدية أشفق على البحر منها.. حقا أشفق عليه.. إنها جميلة للدرجة التي ترهق قلب الناظر إليها .. لن أبالغ إن اعترفت أنني لم ألتق طوال سنوات عمري التي تجاوزت الثلاثين بأربعة أعوام امرأة تمتلك كل هذا الجمال.. ليس جمال الشكل فقط.. بل هناك جمال آخر بداخلها قد لمسته لحظة نظرت في عينيها.. ذاك الجمال الذي يجذبك منذ النظرة الأولى دون أن تعي !!
هذه المرة لم أشعر بالملل من طول الوقت.. بل تمنيت ألا تغادر المكان وتتوارى خلف جدران البيت.. أريدها أن تبقى هنا وأن أبقى أتأمل جمالها دون أن أشعر بالذنب.. رباه أي ذنب أمام ذلك الجمال الذي يشبه المغناطيس فيجذبني إليه دون إرادة مني .. تمنيت في تلك اللحظة أن أكون قد امتلكت موهبة الرسم بدل الكتابة.. وقتها ما كنت ضيعت فرصة رسم ملامحها الأسطورية على عشرات اللوحات التي سيخلدها التاريخ تحت إسم... "ابنة الشمس ".. نعم، هذا هو الإسم المناسب لتلك الأيقونة التي جلست على رمل الشاطئ ثم فتحت دفترها وأخرجت قلما وشرعت في كتابة شيء ما فوق أوراقه الصامتة !!
مرت أربعة أيام ولم يختلف الحال عما كان عليه في اليوم الأول.. نفس خطوات السلحفاة التي تتحرك بها.. نفس الوقفة الطويلة المتحدية أمام البحر الهادر موجه، ثم الجلوس على رماله الباردة والكتابة في الدفتر.. حقا لم يختلف الحال حتى في تجاهلي المتعمد الذي يصيبني بالغضب في كل مرة، ولكني لم اتعظ أو أكف عن مراقبتها.. أضف إلى ذلك أيضا اللون الأبيض الذي يميز كل ما ترتديه أو تقتنيه.. إن إسرافها العجيب في إستخدام هذا اللون جعلني أضيف لابنة الشمس، الطيف الأبيض.. حقا يليق بها اللقبين؛ إنها تبدو لي دائما وكأنها قد صنعت من ضوء الشمس.. خصلاتها الذهبية التي تنافس أشعة الشمس النارية، وجهها المضيء والذي يشع دفئا حزينا كقرص الشمس ساعة الغروب !
حتى عينيها النجلاوين.. كانت امتزاج ما بين خضرة الغابات الاستوائية ولون العسل الذي أيضا وللصدفة يسرق بعضا من لون الشمس !!
نظرت إلى ساعة يدي وأنا أجلس بين أوراقي المتناثرة فوجدت عقاربها تشير إلى الواحدة صباحا.. نزعت نظارتي وأخذت أفرك عيني بأطراف أصابعي وأنا أنهض لأعد قدحا كبيرا من القهوة شعرت بحاجة شديدة إليه، وما أن اقتربت من المطبخ تناهى إلى مسامعي صوت شجار آت من بيتها المجاور لي فعدلت عن فكرة القهوة وأسرعت لفتح النافذة المطلة على نافذتها المقابلة وقلبي يخفق بشدة أن يكون لصا قد نزل على المكان وبدأ الغضب يتملك مني وأنا أشعر بالعجز.. لكن لا.. مهما بلغت درجة تجاهلها لي أن أقف مكاني هكذا حتى يصيبها مكروها.. لابد أن أسارع إلى مساعدتها.
أسرعت نحو بابي أفتحه في نفس اللحظة التي خرج من باب بيتها رجل يصرخ بصوت جهوري: لا تدعيني أقدم على فعل نندم عليه.
وكان ردها عليه صراخ متكرر: أخرج من حياتي.. لا أريد أن أراك مرة أخرى.
وعاد يهتف وهو يفتح باب سيارته السوداء ذات الدفع الرباعي الرابضة أمام البيت: مستحيل أن أخرج من حياتك.. سوف أتركك بعض الوقت كي تفكري بعقلك.. لكني لن أسمح لك أن تهدمي كل ما بيننا بسبب خطأ بسيط في لحظة ضعف…
عاودت الصراخ وهي ترميه بشيء ما في يدها نجح في تفاديه: أخرجا من حياتي عليكما اللعنة !!
غادر الشخص الذي صبت على رأسه لعنات العالم وبقيت تنظر في أثره بأعين باكية ثم دخلت إلى البيت وأغلقت الباب خلفها بعنف، وما هي إلا لحظات حتى سمعت صوت تهشم زجاج وهنا لم أستطع أن أتجاهل ما أسمعه.. سوف أذهب لأطمئن عليها وليحدث بعدها ما يحدث.
طرقت الباب عدة مرات ولم تستجب للطرق، كنت أستشيط غضبا من عنادها ذاك.. أنا أكاد أسمع نحيبها من مكاني في الخارج. أعدت الطرق مع السؤال: هل من أحد هناك؟ توقف صوت النحيب ثم دوى صوت تحطم شيء آخر أعقبه خطوات تقدمها من الباب.
فتحت الباب بعنف ثم صاحت في بصوت باك : ما هي قصتك أنت أيضا؟ إياك أن تتصور أنني لم ألحظ استراق النظر نحوي على مدار الأيام الماضية.. ماذا تريد مني؟ اتركني بحالي وابتعد.
أنهت كلماتها الغاضبة الباكية وهي توشك على غلق الباب في وجهي ولكنني وضعت قدمي أمامه أمنعها من غلقه فعلا صراخها وازداد نحيبها وهي تأمرني أن أبتعد لكنني أقسمت أن لا أفعل.. وكيف أبتعد وأنا أرى خيط الدماء النازف من قبضتها والذي لوث ثوبها الناصع البياض.
اقتربت وأمسكت قبضتها فصرخت وأنا أفتحها رغما عنها ليصدمني منظر الجرح الذي شوه راحتها.
-جرحك عميق ويحتاج تقطيب في الحال وإلا لن يتوقف النزف.
تأملتني بأعين أدهشتني حقا.. كيف للدموع أن تصنع جمالا بهذا الشكل الفريد؟!.. لقد تألقت عينيها ببريق الدمع وقد عكس احمرارها روعة بؤبؤها !!
تحشرج صوتي وأنا أخبرها: أنا جارك في البيت المحاور… طبيب.. لا تخافي سوف أعالج جرحك.. فقط عديني ألا تغلقي الباب.. سوف أذهب لجلب ما أحتاجه لتقطيب الجرح… فقط خمس دقائق.
مرت دقيقة كاملة توقفت فيها عن البكاء وظلت تتأملني لكنها لم ترد.. إلا أنني لمست الموافقة في تلك النظرات فلم أضيع وقتا وأسرعت أقفز الدرجات وأركض نحو بيتي.
عدت بعد أقل من خمس دقائق لأجد الباب مفتوحا فلم أتردد.. دلفت إلى المكان لتقابلني الفوضى العارمة في البيت الأنيق الذي يغلب عليه اللون الأبيض.. تلك المخلوقة من الواضح أنها عاشقة للأبيض !
بحثت عنها بعيني فوجدتها قد جلست على الأريكة المواجهة للنافذة العريضة المطلة على البحر فاقتربت منها على الفور ولكنني أجفلت من صوت الموسيقى الذي انبعث فجأة من وحدة الصوت الكامنة هناك في الركن.
راقت لي الموسيقى رغم أنها حزينة ولكنني لم أهتم بها، بل كان كل اهتمامي ينصب على تلك المخلوقة الهشة التي تجردت أخيرا من عنادها وقوتها المصطنعة وتركت روحها تعبر عما يختلج بداخلها.. مازالت تنتحب، ومازالت الدموع تهطل هطول الأمطار في موسم الشتاء.. ومازلت مأخوذا بجمال عينيها ببريق الدمع رغم محاولاتي المضنية في التركيز على ما أفعل.. طهرت الجرح وغضبت منها جدا لأنها فعلت ذلك بنفسها فانطلق لساني يعبر عن غضبي: لماذا تؤذين نفسك هكذا؟ صدقيني لا أحد يستحق أن نؤذي أنفسنا من أجله.
رمقتني بنظرة غريبة لم أستطع تفسيرها.. هل تنهرني وتحذرني من التدخل فيما لا يعنيني أم أنها حقا تفكر فيما قلته؟ لا أعرف حقا، لكن ما أعرفه أنها أشاحت عني وقد أراحت رأسها للخلف وتركت كفها الصغير مستسلما بين كفي أفعل به ما أشاء وكأنه لم يعد يعنيها حقا أو يفرق معها أن أعالجه أو حتى أبتر أصابعه !!
شعرت بالألم لأجلها وأنا أرى وأشعر ارتجافها وسماع نشيجها فوجدت نفسي أقول بمؤازرة: هوني عليك ولا تكوني فريسة للحزن فينهشك.
رفعت رأسها المرتاح على ظهر الأريكة لتتأملني مليا قبل أن تتحدث قائلة: خانني.. خان حبي وتضحيتي من أجله.. خان عهده معي ألا يؤلمني يوما أو يكون سببا في حزني.. خانني وذبحني حين اختار صديقة عمري لكي تشاركه جريمته الشنعاء.
كانت تتحدث ليس لتخبرني بذلك وإنما كانت بحاجة للكلام.. بحاجة للصراخ بما يخنقها.. أكاد أجزم أنه لا يفرق معها وجودي من عدمه.. تلك اللوحة الإغريقية لأحد آلهتهم تتحدث لنفسها وليس لي.. لقد ثارت على الصمت الذي صاحبها منذ هروبها إلى هنا.. مجيء هذا الخائن إليها جعلها تصرخ لتعبر عما تشعر والحمد لله أنها فعلت.
مر وقت طويل انتهيت خلاله من تقطيب جرحها، وتعبت هي خلاله من البوح بأوجاعها، وها هي تغط في النوم على نفس الأريكة، وأنا أجلس على كرسي مقابل لها، أتأملها وقد بدت كطفلة أرهقها البكاء فكانت تنتفض في نومها بين فينة وأخرى. لفت نظري ضوء النهار فخشيت أن يوقظها لذلك نهضت أبحث عن غطاء أدثرها به من البرد قبل أن أسدل ستار النافذة لحجب الضوء، بعدها تحركت لأغادر بعد أن شيعتها بنظرة أخيرة على أمل أن ألتقيها في الغروب أمام البحر.
استيقظت وقد شعرت أنني نمت طويلا، وللأسف هذا ما حدث.. لقد نمت أطول مما كنت أريد.. الليل أقبل وفاتني الغروب الذي أنتظره كل يوم لأراقبها معه في ذلك المشهد الذي يحمل قدسية فريدة من نوعها.
غضبت من نفسي لأنني نمت طويلا ولأنه فاتني أن أراها وأطمئن على جرحها.. لكن يمكنني أن أذهب وأطمئن عليها الآن بصفتي المهنية.. طبيب يطمئن على مريضته. هكذا فكرت وأنا أتحرك لأستعد للذهاب إليها.
مللت من الطرق المتتالي والمتقطع والنتيجة ذاتها.. لا إجابة.. ربما تناولت مهدئا للأعصاب وغطت في النوم كما الأمس، أو ربما هي مستيقظة وترفض استقبالي ولا ألومها في ذلك.
عدت إلى البيت وأنا أشعر بحزن شديد.. علي أن أنتظر لساعات حتى الشروق لأراها.
طويت ساعات الليل في القراءة تارة، والكتابة تارة أخرى، وكنت أحتسي القهوة كي تساعدني على المواصلة. نظرت في ساعتي لأجد أن الوقت قد حان.
خرجت من بيتي وتحركت نحو البحر وبقيت أنتظر ظهورها حتى أشرقت الشمس من خلف الأفق، ولم تشرق هي من خلف الباب !
تعجبت من أمرها؛ هل ندمت لأنها تحدثت أمامي بسر حزنها؟ هل اتخذت قرارها ألا تواجهني مرة أخرى؟ لكن مستحيل أن أسمح لها.. لابد أن أطمئن عليها مهما كلفني الأمر.. سوف أعود لأطرق بابها وإن عاندت ولم تفتح سأحاول … توقفت أفكاري حين داست قدمي على شيء غريب.. نظرت تحت قدمي لأصدم بما وقعت عليه عيني !!
كنت أركض نحو بيتها وقلبي يخفق رعبا.. طرقت الباب بقوة وما من إجابة.. حاولت فتحه لكني فشلت.. فكرت سريعا أن النافذة هي الحل الوحيد.. أسرعت لأحد الكراسي الموجودة أمام البيت لأحمله وأسرع إلى النافذة لأحطم زجاجها ثم على الفور اجتازها في الدخول إلى البيت.. بحثت عنها لكن لا يوجد لها أي أثر!
صرخت صرخة عالية رافضة لهذا المنطق البغيض الذي فطنته.. وعاد عقلي يسترجع ما قرأته قبل قليل في أخر صفحة من دفترها الذي وجدته تحت قدمي وقد سكن القلم فوق الحروف…
" إني راحلة إلى الأبد.. حياتي ما عاد لها معنى بعد أن اتفقتما على ذبحي بتلك الطريقة البشعة.. إن الموت هو سبيلي الوحيد للخلاص من هذا الشعور القاتل "
كلمات قليلة أنهت حياتها وغابت معها شمسها.. ذلك البحر الغادر قد ابتلعها في عمقه المعتم كما يفعل بأمها كل مساء.. ذلك البحر الذي يهدر موجه بالخارج قد سرق أنفاسها بزعم أنه يهديها الراحة الأبدية.. وأنا؟ ماذا عني؟!!
خرجت من ذكرياتي المؤلمة وأنا أضم دفترها إلى صدري بتملك شديد.. نعم هو.. ذلك الدفتر الذي أراد القدر أن يقع بيدي أنا دون سواي.. وكأنه اختارني لأعرف قصتها الكئيبة وأعيش كل لحظات الحزن التي مرت بحياتها خلال حروفها.. لم أكن لأهديه للشرطة التي استدعيتها بعد أن تأكدت أن جارتي المفقودة ربما أقدمت على الانتحار.. وبررت لهم سبب ذلك بأني ذهبت إليها لأطمئن على جرحها فلم أجدها، ومر على ذلك يوم كامل وبالطبع هي لم تغادر بسبب وجود سيارتها في مكانها.. كل تلك المعطيات جعلتهم يصدرون أوامرهم بالبحث عن الجثة ومحاولة انتشالها.. واستمرت المحاولات المضنية في إيجادها والتي باءت جميعها بالفشل.. لقد احتضنها البحر رافضا كل الرفض أن تغادره.. وكيف يتخلى عنها وهي التي لجأت إليه؟!.. لقد فضلت ابنة الشمس البقاء في رحم البحر على العيش على الأرض التي ذُبحت فيها بالخيانة..!
رحلت ابنة الشمس بلا رجعة لكنها بقيت خالدة في قلبي وعقلي.. مازالت ترفض ذاكرتي أن تتخلى عنها لذا عدت إلى هنا لأعيش لحظات الشروق والغروب مع ذكراها… مع ذكرى طيفي الأبيض… ابنة الشمس والبحر !!
تمت..

تعليقات
إرسال تعليق