ملاك بلا أجنحة-قصة قصيرة- رباا
"ملاك بلا أجنحة"
كانت ليلة خريفية بامتياز، وكم أعشق ليالي الخريف رغم ما تعانيه من فقدان للحياة، لكن يبقى عزاؤنا الوحيد أنها تفقد حياة في مقابل ولادة حياة أخرى.
خرجت من باب منزلي بخطوات شبه راكضة وأنا أعدل من وضع حجابي، ثم طالعت ساعة يدي فوجدتها تشير إلى الحادية عشرة والنصف؛ سرعان ما ضاعفت طاقتي كي ألحق بأخر حافلة تابعة للمشفى الخاص الذي أعمل به ممرضة عناية فائقة وإلا سيكون الأمر صعبا جدا في الوصول إليه.
وصلت إلى موقف الحافلات بأنفاس متقطعة بسبب ركضي المتواصل، وشهقت بأعين متسعة وأنا أرى الحافلة تتحرك وقد أغلقت أبوابها؛ فانطلقت باتجاهها وأخذت أطرق الباب حتى فُتح أمامي، فصعدت الدرجات القليلة ملقية السلام على السائق الذي ابتسم لي بود وهو يلومني على تأخري موضحا أنه انتظر لعشر دقائق كاملة من أجلي.
ابتسمت معتذرة له وأنا أحاول التقاط أنفاسي فأشار لي بيده فتحركت إلى الداخل لألقي بجسدي على أقرب مقعد شاغر يقابلني.
مرت خمس دقائق انتظمت خلالها أنفاسي، وبدأت في مراقبة الطريق من خلال النافذة كعادتي كلما استقللت الحافلة وكما هو الحال كل مرة سرعان ما أشرد بعيدا عن المشهد فأغمض عيني وأسرح في عالمي الخاص مسترجعة بعض كلمات علقت بقلبي قبل عقلي.. كلمات طبعت فوق الأوراق فصنعت رواية سرقت أنفاسي، ربما بسبب جمال ورومانسية أحداثها، أو ربما بسبب تعلقي الشديد بذلك الشخص الذي كتبها والذي للغرابة لم أقابله ولا مرة على أرض الواقع، مجرد صور متداولة له أو من خلال لقاءات صحفية و تلفزيونية حريصة دوما على متابعتها.
ابتسمت وأنا أفتح عينيّ متمتة بأخر جملة في الرواية، تلك الرواية التي انتظرتها لعام كامل من اخر رواية نشرت له قبلها وتلك كانت أطول مدة يغيب فيها كاتبي المفضل عن الساحة.. الرواية التي أنهيتها قبل أقل من ساعة مما تسبب في تأخري، ولكن ماذا أفعل حيال ذاك السحر الذي يميز أسلوبه والذي يسرقني من عالمي فيلقي بي في عالم آخر بعيدا جكل البعد عن واقعنا القاسي فأود لو أبقى حبيسة تلك الصفحات إلى الأبد!
توقفت الحافلة محدثة صريرا فأخرجني من عالمي الحالم ليعيدني إلى واقعي؛ فنهضت مسرعة وأنا أحمل حقيبة يدي متوجهة نحو الباب الأمامي لألقي التحية على ذلك السائق الطيب القلب قبل أن أشكره على انتظاري ثم ألوح له مبتسمة فيرد ملوحا: مع السلامة يا ملاك الرحمة.
بعد ثلث ساعة تقريبا كنت قد أنهيت تبديل ملابسي في الغرفة الخاصة بالممرضات وأنا أستمع إلى حديث زميلتي الثرثارة من أخبار متفرقة حدثت في المشفى خلال الساعات الماضية، تلك الزميلة التي كانت تنتظرني لتسلمني الوردية فضحكت وأنا أضربها على كتفها ألومها على ثرثرتها التي لا تتخلى عنها أبدا فأعادت لي الضربة متمتمة بتذمر بأن الحق عليها لأنها تخبرني بكافة المستجدات على الصعيد المهني فضحكت أكثر على جملتها وأنا أدفع تلك العربة المحملة بالأدوية والمواد الطبية لأخرج بها من الغرفة استعدادا للقيام بجولتي الأولى لهذه الليلة.
مرت ساعات الليل، لا يخفف من وقعها البطيء إلا كلماته التي أهرب لقراءتها كلما سنحت لي الفرصة. كنت أعيد قراءة نفس الرواية التي انتهيت منها قبيل خروجي من البيت لكن بـ روية أكثر؛ فقراءتي الأولى لها كانت سريعة كي ألحق بعملي، وهذا غالبا ما أفعله في وقت فراغي بالعمل في الورديات الليلية.. أستطع أن أسرق بعض الدقائق لأهرب إلى عالمه الفريد، وأحلق بجناحيّ في سماء إبداعه وتفرده.. "حازم داود"_ ذلك الكاتب والروائي الفذ، الذي استطاع في بضع سنوات لا تتجاوز العشر أن يكون من أشهر الأدباء والكتاب على الساحة الأدبية.. ساحر هو ذلك الرجل؛ يستطيع أن يغير مزاجي بين لحظة وأخرى؛ فتارة أبكي بحرقة وتارة أخرى أبتسم بل أضحك أحيانا وكأنني جزء لا يتجزأ من تلك المشاهد!
بقيت أقلب الصفحات وأنهل من كلماته وأنا أتثاءب مقاومة النعاس حتى دوى صوت استدعائي من السماعة الداخلية فنهضت على الفور تاركة الرواية من يدي.
بقوة صبر لم أختبرها من قبل كنت أحبس دموعي وأحاول الثبات وأنا برفقة الطبيب في إحدى غرف العناية الفائقة مع حالة جديدة قد أجريت لها للتو جراحة حرجة في المخ بعد تعرضها لحادث سير مروع.
بعد أن انتهينا من عملنا والتأكد من سلامة الأجهزة، خرج الطبيب بعد أن أعطاني كافة التعليمات فأومأت له بتفهم ثم عدت ألقي نظرة متفحصة على ذلك المريض وقد أطلقت العنان لدموعي كي تخفف من ذلك الحزن العظيم الذي ألمّ بقلبي في تلك اللحظة .. إن ذلك الراقد على الفراش والذي اختفت رأسه خلف الشاش باللاصق الطبي لم يكن سوى "حازم داود"كاتبي المفضل الذي كنت أبحر في روايته قبل أقل من ساعة. زادت دموعي وتعاظم حزني وأنا أقف قبالته، أتأمله على هذه الحالة.. مسجى على فراش المشفى بلا حول ولا قوة بعد أن عبثت يد الأطباء ذات القفازات الملطخة بدمائه برأسه بأدواتهم الحادة والقاسية.. من كان يصدق أن هذا الرجل الموضوع تحت الأجهزة الطبية والتنفس الصناعي، هو نفسه الرجل الذي كنت أسافر بين كلماته وأحلق في عالمه الساحر قبل وقت قصير.. بل من كان يصدق أن يتحقق حلمي البعيد كأحلام الطفولة بلقائه على هذا النحو المؤلم.. المؤلم جدا !!
كفكفت دموعي بكفي المرتعش ثم اقتربت منه أكثر وأخذت أنقل نظراتي بين وجهه الشاحب كالموتى وبين تلك الشاشة التي تظهر حالة النبض وهنا انقبض قلبي وخرجت رغما عني شهقة متوجعة فاطبقت بكفي على فمي كي أكتم صوت نحيبي وشعور بالخوف الشديد ينتابني من أن يستقيم ذلك الخط معلنا رحيله إلى الأبد!!
كنت على وشك الاقتراب من غرفته بعد أن أنهيت اتصالي مع زميلتي كي أخبرها ألا تأتي إلى العمل فقد قررت أن أنوب عنها في وردية الصباح فهللت فرحة لأنها سوف تواصل النوم ولكن حين استوعبت الأمر سألتني لماذا أفعل ذلك لكنني أنهيت معها الحديث قائلة سوف أخبرك فيما بعد ولم أترك لها مجال الثرثرة فأنا لست في حالة تسمح لي بتحملها.
أصبحت أمام غرفته حين وجدت عددا من الأشخاص يقفون أمام الباب والطبيب يحاول أن يطمئنهم عن حالته الصحية، ويخبرهم كذلك أنه لا يمكنهم الدخول إليه من أجل سلامته.
كان من بينهم سيدة أعتقد أنها في نهاية عقدها السادس تبكي بشدة وقد خمنت أنها والدته فأشفقت عليها ووددت لو احتضنها وأخفف عنها ثم أطمئنها أنني بجانبه ولن أتركه، و سوف أهتم به جيدا طوال فترة تواجده هنا، هذا ما كنت أفكر به قبل أن تتحدث تلك الشابة التي تقدمت من الطبيب لتقول بغضب أنها خطيبته ولن تغادر قبل أن تراه!
وقعت جملتها علي كالصاعقة و أخذت أتأملها بمشاعر مستنكرة ما تقوله؛ كيف تدّعي أنها خطيبته وهو لم يصرح أبدا بذلك، لم يذكر في أي لقاء حديث له هذا الأمر أو حتى يلمح به.. إذن كيف ومتى.. بالتأكيد هي كاذبة.. نعم هي بالتأكيد كاذبة !!
انتبهت لصوت الطبيب الذي ناداني قائلا: تعالي يا "رُقيًة".
اقتربت منهم وأنا أرتعش من داخلي، لدي رغبة شديدة في البكاء لذلك أريد الهرب من أمامهم.. أريد أن أختفي معه خلف هذا الباب، أوصده كي لا يستطيع أحد منهم الاقتراب وخاصة تلك المدعية.. نعم هذا تحديدا ما أود فعله في هذه اللحظة، لأكون أنا وهو فقط فأنا الوحيدة التي تستطيع أن تهتم به و…
-إنها "رقية"_ الممرضة المناوبة والمسؤولة عن حالة أستاذ "حازم".. أليست تلك ورديتك؟ .. سألني الطبيب فأجبت على الفور: نعم.
قلتها مؤكدة؛ فأنا لن أتركه الآن وخاصة مع تلك المخلوقة الشريرة التي تصر على رؤيته دون أن تهتم لسلامته!
بعد جدال مع الطبيب غادروا جميعا لكن والدته اقتربت مني لتربت على كتفي بحنان و تحدثني بنبرة حزينة وقلقة: أرجوك أن تنتبهي إليه جيدا يا ابنتي، قالتها وهي تخرج من حقيبتها بعض النقود لتضعها في يدي فابتعدت عنها وقد اختنقت بدموعي وأنا أجيبها: أرجوك لا تفعلي ذلك سيدتي.. أنا هنا أقوم بواجبي.
أنهيت كلماتي قبل أن أتوجه إليه مغلقة الباب خلفي دون أن أنظر لها.
مر الوقت وأنا أراقبه بصمت حزين وفي داخلي أتسائل: هل حقا وجدتها؟ هل تلك الإنسانة التي لم أحبها إطلاقا هي نفسها المعنية بإهدائك الذي تكرره في بداية كل رواية حتى روايتك الأخيرة ؟!.. لا أعتقد.. لا أعتقد أبدا فلو كنت قد وجدتها بالفعل كيف تكتب نفس الإهداء وكأنك مازلت تبحث عنها، عن تلك المرأة الاستثناء!.. تنهدت بضيق شديد ثم أخذ لساني يردد كلمات الإهداء المتكرر الذي بت أحفظه عن ظهر قلب بسبب تأثري الشديد بفحواه!..
"إهداء إلى أنثى متفردة، أنثى ملائكية ليس لها شبيه لأنها حقا ملاك، ملاك بلا أجنحة.. قلبها من السماء، وروحها من النور، وجسدها يعيش على الأرض.. أنثى لن تتكرر، سوف تأتي مرة واحدة في العمر، ولن أيأس أبدا مهما طالت رحلة البحث عنها، سأظل أبحث حتى أجدها.. أجد تلك المرأة الاستثناء"!
مرت الأيام، وها هي الليلة الحادية والعشرون على تواجده هنا.. واحد وعشرون يوما من الصمت، من الحزن، ومن الخوف من مستقبل مجهول ينتظره إن طالت غيبوبته أكثر.. نعم، لقد دخل في غيبوبة لم يفصح الأطباء عن سببها كما أنهم لم يتنبأوا بوقت انتهائها.. وهذا ما زاد من حزني عليه!
نعم، لقد طالت فترة سباته لكنني لم أيأس أبدا من فكرة عودته، ولم أتوقف أبدا عن اهتمامي به، كان اهتماما خاصا لدرجة جعلت الكثير من زميلاتي وزملائي يتهامسون ويتلامزون فيما بينهم لدرجة كانت تبكيني أحيانا كثيرة؛ لقد وصلت بهم الجرأة والوقاحة أن يلقبوني بعاشقة الميت!
مر شهر آخر وهو مازال على نفس الحالة.. غائب عن الوعي، يعيش في عالم آخر غير عالمنا.. ربما لأنه وجد فيه ضالته، وجد تلك الملاك التي يهديها كل حروفه وربما لهذا السبب لا يريد العودة إلى الواقع، فقط لأنها تسكن ذلك العالم !
دلفت إلى غرفته بعد أن ودعت زميلتي المتحمسة أنها سوف تقضي هذا المساء برفقة خطيبها تحتفل برأس السنة وأنا أفكر بسخرية أن الجميع يودون الهرب من عملهم الليلي للاحتفال بليلة رأس السنة في أجمل الأماكن ومع أحب الناس إلى قلوبهم، وأبقى أنا الوحيدة من بينهم التي لا تريد مغادرة هذا المكان فقط لأبقى بجانبه؛ فلست أملك أجمل من هذا الأمر احتفالا بولادة عام جديد!
اقتربت منه و تجرأت للمرة الأولى فأمسكت بكفه الساكن بجانبه ثم همست بحزن عميق وأنا أتأمل ملامحه الساكنة: أما اكتفيت بعد من ذلك الغياب.. أم أنك حقا وجدتها هناك؟!..
صمتُّ قليلا مغمضة عينيّ ثم عدت أفتحهما و أتأمله بابتسامة حزينة وأهمس بنبرة تحمل مشاعر مختلطة: هل تعلم أن اللحية تليق بك؟.. أنت تبدو جذابا أكثر بعد أن طالت لحيتك، لكن لأكون صادقة فهي بحاجة إلى التشذيب قليلا كي تبدو أكثر جاذبية.. لكن لا تقلق.. سوف أتولى أمرها في الغد!
عاد الصمت يلفنا من جديد، هو ساكن على فراشه كالأموات، وأنا قريبة منه كأم تخشى على طفلها الصغير فلا تقوى على تركه وحده!
عدت لتساؤلاتي الحيرى: متى تعود من تلك الرحلة البعيدة و متى يمكنني النظر في عينيك عن قرب؟!.. ليتك تفتحهما فأستطيع قراءتك لمرة واحدة.. أقرأ بهما شيئا أتمناه وأعلم أنه مستحيل لكنني حقا أتمناه من كل قلبي.. هل تعلم كم أحبك؟!… نعم، أنا أحبك.. أحبك و على يقين أنك حلم بعيد المنال.. لأنك نجم ساطع في السماء العالية، وأنا غصن ضعيف وهش يسكن تلك الأرض، غصن عصفت به رياح الخريف منذ رآك مسجى على هذا الفراش الكئيب.. كل ما يريده في هذه الحياة هو أن يبقى مغروسا في شرفة حروفك إلى الأبد.. هو يدرك جيدا أنه لن يستطيع أن يلفت نظرك مهما حركته الرياح.. لكنها الأمنيات فماذا عسانا نفعل بقلوبنا !
أنهيت كلماتي وعادت عبراتي تتساقط في صمت على كفه الساكن بين كفيّ كأنه طفل غفى في حضن أمه، حتى قطعتُّ ذلك الصمت بشهقة مصدومة وأنا أشعر بحركة أصابعه بين كفي فأخذت أنقل عيني بين وجهه وكفه وقلبي يكاد يتوقف من شدة الفرحة.. هل عاد من رحلته البعيدة؟.. هل حقا استجاب لنداءاتي وتوسلاتي؟.. يا إلهي كم أنت رحيم!
مرت الأيام بعد ذلك كئيبة جدا ووقعها مرير؛ لقد انتقل من غرفة العناية حيث كنت أهتم به، إلى غرفة عادية استكمالا للعلاج بعد أن استرد وعيه وهذا كان سببا في نهاية كل شيء. لقد انتهى عملي معه وأُوكل إلى أفراد آخرين في قسم آخر وهذا كان أصعب مافي الأمر.. أن يكون قريبا وبعيدا.. لكنني لم أستسلم لهذا الجور، أنا أريد الاهتمام به في ذلك القسم إضافة إلى عملي في قسمي لكن كيف؟.. كيف أطلب أمرا كهذا وكيف سينظرون إليّ؟!.. فكرت كثيرا ولم أجد غير حل واحد فقط يجنبني التساؤلات والقيل والقال.. فكرت أن أطلب من إحدى زميلاتي في ذلك القسم أن أنوب عنها في متابعة حالته في الورديات الليلية فقط، وذلك لكي أكون بعيدة عن العيون المتلصصة الكثيرة في ورديات النهار، وبالفعل وافقت بعد أن رمقتني بنظرة تحاول من خلالها سبر أغواري وحقا لم أهتم بذلك، فكل ما يهمني الآن هو البقاء بجانبه خلال الأيام الباقية له هنا.
دلفت إلى الغرفة بكيان مرتعش وقلب تعالى وجيبه؛ فتلك هي المرة الأولى التي سأواجهه فيها بعد أن استعاد وعيه.
كانت الساعة تشير إلى الثانية صباحا، و كنت أتوقع أن يكون نائما لكنه خالف توقعي؛ لقد وجدته مستيقظا وحين رآني تهيأ لأخذ الدواء فتقدمت نحوه وأنا أحاول ضبط أنفاسي وعدم الاستسلام لتلك الرعشة التي تملكت من أوصالي.
بدأت أناوله الأقراص واحدة تلو الأخرى، وأسقيه الماء بيدي رغم أنني أعلم أنه يستطيع أن يفعل لكنني لم أعطه الكوب ولم يأخذه هو مني. كنت سعيدة جدا وأنا أهتم به وتمنيت لو يقول أي شيء كي أبقى معه أكثر وقت ممكن، وكأنه علم بأمنيتي حيث سمعته يقول: أول مرة أراك.. ورغم ذلك أشعر أني أعرفك!
ارتعشت يدي رغما عني حين سمعت جملته فسقطت بعض من قطرات الماء على كنزته الشتوية البيضاء.. أخذت أعتذر منه بصوت مخنوق وحروف متلعثمة مما جعله يقول بنبرة ودودة: لا عليك.. الأمر بسيط ولا يستحق الاعتذار.
- شكرا!
همست بها لا أعرف لماذا وعلى أي شيء أشكره فرد مبتسما: لا داعي للشكر فأنا من يجب عليه أن يشكرك.
- العفو!
ابتسم مرة أخرى وسألني: ما اسمك؟
- رقية.
- جميل اسمك يا رقية.
ابتسمت لجملته اللطيفة وكنت أود أن أشكره لكني شعرت أنني سأبدو بلهاء من كثرة كلمات الشكر فالتزمت الصمت وقد قامت ملامحي بشكره بالنيابة عني حين تلون وجهي بحمرة الخجل، الأمر الذي جعله يعود يسألني:
- لماذا أشعر أنك مرتبكة وكأنك في حضرة مسؤول كبير في وزارة الصحة.. أنا إنسان عادي كأي إنسان ويمكنك التحدث معي ببساطة ولا تشعري بهذا بكل التوتر.
أومأت له ممتنة ثم استأذنت منه لأن لدي عمل فنظر إلي نظرة فيها تساؤلات لم أستطع تفسيرها ثم أشار لي أن تفضلي فغادرته وأنا أشعر بسعادة غامرة لأني أخيرا سمعته وحدثته وجها لوجه، صحيح أن هذا الحديث كان عبارة عن كلمات قليلة ومقتضبة ولم يتعدَ بضع دقائق فقط، لكن لا بأس، المهم أنني رأيته وتحدثت معه وتلك كانت أهم أمنياتي في هذا الوقت وقد تحققت، وبالتأكيد سوف يتكرر ذلك فأراه وأحدثه مرات ومرات.
تكرر الأمر كل ليلة لمدة أسبوع كامل مما زاد سعادتي برؤيته والحديث معه ولو بكلمات قليلة.
في الأسبوع التالي والذي كنت أداوم فيه في وردية الصباح، حاولت كثيرا منع نفسي من الذهاب إليه لكني لم أستطع؛ فأيام وجوده هنا أصبحت معدودة، ومجرد أن يغادر المشفى لم أتمكن من رؤيته مرة أخرى.
بالفعل ذهبت إليه بالأدوية بعد أن طلبت ذلك من زميلة أخرى هي المسؤولة عنه في تلك المناوبة فوافقت على مضض بعد إلحاح شديد مني.
طرقت الباب مرتين فأتاني صوته يسمح لي بالدخول، لكن حين فتحت الباب تفاجأت بأنه لم يكن وحيدا، لقد كان شقيقه الذي تعرفت عليه بسبب زياراته المتكررة له في قسم العناية يجلس معه في الغرفة وهذا صدمني وخاصة بعد أن تعرف هو الآخر علي وقال باستغراب:
-آنسة رقية.. هل انتقلت من قسم العناية إلى هذا القسم؟
سألني ولم ينتظر الإجابة حيث وجه كلامه بعدها لأخيه الذي كان يتأملني بصورة فاحصة جعلتني أشعر بالارتباك والخجل من انكشاف أمري أمامهما.
-أ تعلم يا حازم أن آنسه رقية أكثر واحدة من بين فريق التمريض في قسم العناية كانت تهتم بك.. إنها حقا تستحق الشكر على إخلاصها في عملها.
كنت أستمع إلى كلمات شقيقة وأنا أحاول قدر الإمكان السيطرة على ارتعاشة أصابعي أثناء إعطاءه حبات الدواء، هذا إلى جانب نظراته التي تبحث في وجهي عن إجابات شافية لما أخمن أنه يدور برأسه في تلك اللحظة.
أنهيت عملي معه ثم ابتعدت وأنا أقول لشقيقه: لا لم أنتقل للقسم هنا، فقط كنت أنوب عن زميلتي بسبب ظرف خاص.
أنهيت كلماتي ثم خرجت مسرعة نحو الحمام وهناك بكيت، بكيت كثيرا، نظراته لي جعلتني أشعر بالخجل الشديد من نفسي بسبب كذبتي، والخجل منه لأنه كاد يقول لي بنظراته وهل أيضا حدث نفس الظرف في الأيام السابقة!!
بعد دقائق ليست بالقليلة، غادرت المكان متوجهه إلى قسمي وفي داخلي عقدت النية على عدم الاقتراب من غرفته بل من القسم بأكمله طوال فترة تواجده به؛ يكفي ما حدث قبل قليل وكاد أن يفضح مشاعري ليس أمامه فقط بل و أمام شقيقه أيضا.
بعد خمسة أيام من لقائي الكارثي معه، كنت أختبئ في نهاية الممر المؤدي إلى غرفته كطفل يختبئ من العقاب كي أراقب مغادرته بعد أن علمت أنه أجّل موعد خروجه في الصباح إلى الليل لأنه لا يريد رؤية أحدا من الصحفيين.
أخيرا فُتح الباب فكدت أسمع دقات قلبي كدوي طبول الحرب، شعرت بأن روحي تغادر جسدي، إنها المرة الأخيرة التي سأراه فيها و ربما لن تتكرر أبدا.
رأيت والدته تخرج أولا، ثم تبعها هو فحرقت الدموع عيني و احتكمت غصة مريرة حلقي وأنا أرى تلك الفتاة التي لا أحبها والمفترض أنها خطيبته تلحق به و تتمسك بذراعه مبتسمة بجذل، اتبعهم شقيقه بعد ذلك يحمل حقيبة ملابسه ثم تحرك الجميع في اتجاه المصعد فما كان مني إلا أن ودعته بدموع صامتة، حارقة، دموع لم أذرفها من أجل أحد كما ذرفتها من أجله.
تعلقت عيناي الباكيتان بظله المبتعد حتى اختفى عنهما فخرج صوت نحيبي رغما عنيي ولم أتحمل أن ينتهي الأمر هنا؛ تحركت مسرعة باتجاه غرفته وحين دلفت إليها، أغلقت الباب خلفي ثم اقتربت من ذلك الفراش الذي احتوى جسده لأيام فوجدت نفسي أرتمي عليه منتحبة وكأنني أودع ذكرى صاحبه للأبد!
مرت دقائق ما عدت أدرك عددها ولم تتوقف دموعي لحظة، ولم يخف وجعي، بل شعرته يتعاظم كلما مر الوقت الذي يفصله عني. بكيت قلبي وروحي التي غادرتني لتحلق حوله أينما يذهب، بكيت حتى شعرت بالتعب و بحاجة شديدة إلى النوم، أنا حقا بحاجة إلى النوم فهو وسيلتي الوحيدة للهرب من هذا الوجع الذي أصبح فوق قدرتي على الاحتمال.
تكورت على الفراش بوضع الجنين وضممت جسدي بذراعي علّي أهدئ من تلك الارتجافة التي أصابته حين انفتح الباب من خلفي فجأة، ودلف أحدهم إلى الداخل ثم أغلق الباب دون أن يتحدث!
تجمدت في مكاني للحظات ثم سرعان ما استقمت بجذعي وقد تملكتني حالة من الخوف فلم أقوى على الالتفات للتعرف على هوية ذلك الشخص الذي اقتحم المكان دون أن يستأذن.
مرت عدة دقائق شعرت أنها سنوات ثقال.. لم أتخلى عن الاختباء ولم يأت ذلك المقتحم بأي رد فعل. لكن لم يدم الأمر طويلا حيث سمعت حثيث خطواته يقترب مني حتى توقف خلفي مباشرة ثم سمعت صوتا رخيما يقول: مرحبا أيتها الملاك!
...تمت
#ربا

تعليقات
إرسال تعليق