عزف الروح -قصة قصيرة - ربا
«عزف الروح»
تسير في الشوارع بلا هدى.. تشعر بثقل العالم يجثو فوق صدرها؛ يخنقها، يمنعها لذة الحياة، يرغمها على تقمص دورا لا يليق بها، في حين يراه الجميع لا يليق إلا بها !
دارت برأسها تتأمل هذا المكان المجهول والذي تسير فيه للمرة الأولى، وكانت مضطرة بعد أن غادرت تلك السهرة المقيتة التي حضرتها معه ولم تستطع أن تكملها حتى النهاية.. غادرتها حزينة حابسة دموعها بعد مشاجرة دارت بينهما والسبب كالعادة أنهما مختلفان في كل شيء، لا يوجد بينهما أي من أوجه التشابه، ولا حتى نقطة التقاء واحدة… إنه على النقيض منها تماما !
تنهدت وهي ترفع يدها المكبلة برباط الأمس لتمسح دموع أبت إلا تغادر مقلتيها.. تتلمس رطوبتها، تتذوق الملح فيها فتتذكر كيف نزع عذوبة أحلامها، وصفو حياتها، وكلما ضعفت وغلبتها دموعها كان يضمد جراحها بحديثه اللاذع باتهامات لا حصر لها دون أن تهزّه صرختها المتألمة.. يا له من قاس يتفنن كيف يكسرها ويفسد فرحتها !
أبعدت كفها عن وجهها؛ تأملت ظاهره بنظرات حزينة.. مازال القيد يكبل بنصرها، كحبل المشنقة يطبق على أنفاسها، متى تثور على هذا الظلم؟.. متى تتحرر من ذاك القيد؟..
كيف لها أن تستمر في العيش في عالم لا تشبهه ولا يشبهها؟!.. وكيف لها تتحمل سجانا يسعى جاهدا لطمس شخصيتها.. يريد أن يصهرها في بوتقة ذاته كي تحيا به ومعه وله؟!.. لابد أن تنهي ذلك الآن.. نزعت ذاك الخاتم الماسي الثمين من إصبعها، تأملته طويلا قبل أن تودعه حقيبة يدها الصغيرة استعدادا لمواجهة التحديات القادمة !
أخذتها خطواتها للبعيد، علَّ بعدها عن مكان يتواجد هو فيه ينسيها كلماته اللاذعة لكن هيهات، مازال صوته يتردد بداخلها، يطن في رأسها كالصفعات: إن لم تتنازلي عن مبادئك العقيمة تلك سوف تفسدين حياتنا معا.. حاولي أن تغيري من نفسك.. انفضي عنك ذاك الهدوء المستفز والكلاسيكية المفرطة.. عيشي هذا الواقع وكفاك العيش في أحلامك الواهية فـأنا حقا عاجز عن فهمك…
-وأبدا لن تفهمني.
هكذا أجابته بعد أن قطعت عليه الاسترسال في التقليل من شأنها وإهانتها بهذا الشكل الوقح.. أنهت الحوار وكأنها تنهي مسرحية هزلية وتسدل الستار على ضعفها وتعلن ثورتها عليه فتغادره لأول مرة بهذا الشكل دون أن تعيره أي اهتمام ولا تستجيب نداءاته المتكررة؛ فلا طائل من الاستمرار في أمر ترى بوادر فشله واضحة كالشمس التي لا ينكرها حتى الأعمى !
ضمت معطفها الذي لا يتعدى حدود الصدر إليها وبرودة الليل تلسعها بقوة فترتجف أوصالها وهي تدرك كم كانت مخدوعة في شخصيته التي أبهرتها وجعلتها تراه ذاك الفارس الذي طالما حلمت به. هزت رأسها وكأنها تنفض عنه أمسا تريد الخلاص منه وهي تحث الخطى في محاولة لإيجاد سيارة أجرة تصل بها إلى حيث بيتها لكن صوت عزف حزين تسرب إلى مسامعها فتوقفت عن السير وأخذت تتلفت حولها بحثا عن مصدر ذلك الصوت الذي تبين لها أنه ينبعث من داخل مكان يبدو من واجهته أنه مطعم أنيق فتحركت في اتجاهه دون إرادة وكأنها تحت تأثير تعويذة ما تم بثها خلال تلك الموسيقى التي أوقفتها وجعلتها تغير مخططاتها !
وصلت إلى باب المطعم، دلفت منه إلى الداخل فقابلها وجه النادل المبتسم الذي حيّاها وهو يساعدها في نزع معطفها ليضعه على مشجب مخصص لذلك قبل أن يصحبها إلى أحد الطاولات الشاغرة فيسحب لها المقعد ثم يسألها عما تحب أن تأكل أو تشرب لكنها تشكره بابتسامة هادئة موضحة له أنها تود سماع العزف أولا فيبتعد النادل وهو يبتسم لها بتفهم.
نظرت نظرة خاطفة إلى المكان الغارق في إضاءة ناعمة ثم توقفت عيناها على ذاك الركن ذو الإضاءة الخافتة والذي يحتله البيانو الضخم وذلك العازف الذي ترى جانب وجهه فقط والذي يتعامل مع أصابع البيانو بمهارة فائقة وسلاسة مفرطة جعلته طوعا له وجعلت الموسيقى تنسل من بين أصابعه لحنا شجيا يسافر بها إلى آفاق بعيدة حيث اللامكان واللازمان.
مرت أكثر من نصف ساعة وهو مستمر في العزف وهي محلقة مع موسيقاه لدرجة الاتحاد وكأنهما كيان واحد كما الروح في الجسد !
انتهى من العزف، ونهض من مكانه ليلتفت إليهم فتسمع تصفيق حاد من الحضور وتشاركهم هي ذلك بكل بساطة وكأنها تود أن تعبر له عن مدى إعجابها بعزفه الفريد والبديع.
رأته ينحني في تحية لهم قبل أن يرفع رأسه ويهديهم ابتسامة بدأت من حيث تجلس هي وانتهت في الركن البعيد عنها ثم تحرك بعدها مبتعدا، يختفي خلف باب ذو درفتين معلقين في الهواء تتحركان للأمام والخلف بعد أن يتجاوزهما قبل أن يعودان للسكون مرة أخرى.
غادر العازف آخذا معه بعضا منها، هكذا شعرت وهي تنظر في أثره، تفكر في مدى جمال عزفه رغم الحزن الذي يعبر عنه والذي اخترق قلبها منذ تسلل إلى مسامعها في الخارج فشعرت كأنه يعزف خصيصا من أجلها، وكأنه يعلم في تلك اللحظة بحالها فترجم حزنها إلى موسيقى غارقة في الشجن !
عاد النادل فقطع عليها أفكارها فسألته قبل أن يسألها: هل سيعود العازف يعزف مرة أخرى؟
ابتسم النادل وهو بجيبها:
-لا سيدتي.. أستاذ "جاد" ينهي العزف ثم يغادر مباشرة ولا يأتي إلا في الليلة التالية.
-حسنا، شكرا لك.
قالتها قبل أن تطلب قدحا من القهوة احتسته ثم طلبت من النادل أن يطلب لها سيارة وغادرت بعد ذلك وفي نيتها أن تأتي في الغد لتستمتع بذلك العزف الرائع.
أسبوع كامل وهي تداوم على الحضور كل ليلة، ليس من أجل الطعام أو الشراب، بل تأتي للاستماع إلى موسيقاه التي تعبر عن مشاعرها بشكل غريب وكأنها مرآة تعكس ما تخفيه، حتى تلك المشاعر التي تطرق باب قلبها على استحياء عبّر عنها بعزفه الليلة؛ غريب أنه الليلة يعزف لحنا حالما كتلك المشاعر التي تعتريها.. كيف له أن يعزف في كل مرة على حسب مشاعرها !
انتبهت أنه انتهى. تأملت وقفته ثم انحناءته التي أعقبتها استقامة مع ابتسامة جذابة بدأت من عندها كالعادة بعد أن أصبحت تلك الطاولة مخصصة لها وكأن هناك رابط بينهما، لا تستطيع الاستماع إليه إلا وهي جالسة خلف تلك الطاولة، بعدها راقبته يغادر فأسرعت هي بالمغادرة بعد أن نقدت النادل المال !
أخذتها خطواتها إلى حيث سيارتها المصفوفة قرب الباب الخلفي والتي تركتها هناك عن قصد بعد أن علمت أن هناك من ينتظره كل ليلة داخل سيارته ليقله بعد أن ينتهي من عزفه.
وقفت تنتظره قرب سيارتها وحين لمحته يخرج من الباب تحركت نحوه ونادت عليه:
-أستاذ "جاد".
توقفت خطوات الأخير إثر النداء الذي أتى من خلفه لكنه لم يلتفت لصاحبه واكتفى فقط بقول:
-نعم !
اقتربت منه أكثر وقالت بصوت متردد ونبرة متلعثمة:
-هل تسمح لي أن آخذ من وقتك دقائق؟
مرت دقيقة وهي تنتظر أن يلتفت إليها أو يقول شيئا ردا على سؤالها فأجاب وليته لم يفعل:
-آسف… ليس لدي وقت.
إجابة صادمة وغير متوقعة ألقى بها ثم أكمل طريقه بتؤدة وكأن شيئا لم يكن و راقبت هي ذلك بصمت. رأت السائق الذي ترجل من السيارة فور رؤيته ليقف في استقباله وقد فتح له الباب الخلفي قائلا بصوت مسموع: تفضل سيدي.
دقائق مرت وهي على وقفتها تنظر في أثره وآثار الصدمة مازالت واضحة عليها، لم تتوقع أبدا أن يرفض طلبها بتلك الطريقة، هل خُدعت في تكوين صورة عن شخصيته؟!.. إنه يبدو لها وهو يعزف على عكس ما اختبرته منه للتو! هل جاد العازف يختلف عن جاد الإنسان!.. ربما نعم، وربما هو فعلا مشغول بأمر هام ولذلك اعتذر و غادر...هكذا بررت له ولنفسها كي لا يصيبها الإحباط.
تحركت نحو سيارتها تستقلها وتغادر المكان وفي داخلها صوت يقول لا تعودي مرة أخرى فربما هو لا يختلف عن غيره.. شهريار آخر في عالم تُذبح فيه النساء بكل بساطة، لكن يناهضه صوت آخر يقول لها لا تحكمي على إنسان من موقف واحد وأعطه فرصة أخرى يستحقها…
-نعم هو يستحق فرصة أخرى..!
تمتمت بها وهي تدير مشغل الموسيقى في السيارة لتغرق حايزها الضيق بعزف لإحدى مقطوعات "شوبان" وإطاراتها تقطع أرض الطريق.
في مساء اليوم التالي كانت تستعد للذهاب إلى نفس المكان؛ تريد أخذ جرعتها من تلك الموسيقى التي أصبحت مدمنة عليها ولا تقوى أبدا على الإقلاع عنها !
وقفت أمام المرآة تتأمل ثوبها الأسود الأنيق والذي يعكس مدى ثراء صاحبته، ثم تناولت تلك القنينة الصغيرة لتنثر رذاذ عطرها الفرنسي على مواضع النبض وهي تبتسم لصورتها التي تعكسها المرآة لملامح تزينت بإتقان فبدت هادئة جذابة. تلفتت يمنة ويسرة كي تتأكد من سلامة تسريحة شعرها الكلاسيكية ثم ألقت لصورتها في المرآة نظرة رضا عن هيئتها قبل أن تغادر غرفتها وقد عقدت النية أنها سوف تحدثه رغم عنه، إما أن يسفر ذاك الحديث عن مقاطعتها لسماع عزفه للأبد، وإما أن يسفر عن حديث آخر تستطيع من خلاله أن تعرف من هو ذلك الشخص الذي جذبها منذ أول لحظة من خلال عزفه !
وصلت إلى المطعم قبل وصوله. جلست على نفس الطاولة التي اعتادت طوال الأيام الماضية. ظلت في انتظاره الذي لم يطل كثيرا حيث أضيئت الأنوار الخافتة في ذاك الركن فكشفت عن وجوده المعتاد وهنا انساب اللحن مع بداية عزفه وبدأ نبضها يعلن عن وجوده بصدى يتردد بداخلها: الليلة إما يكون أو لا يكون !
تراقب أصابعه التي تعزف على البيانو بتلك الرقة وكأنها حبيبته التي يخشى عليها من لمساته، وتصدر عن تلك اللمسات حكايات وحكايات كلها تشعر بها وكأنها تحكي عنها، وكأنها تمثلها من دون الجميع داخل هذا المكان!
تراقب، تنصت، تحلم، وتخاف من أن تصحو من حلمها على وهم آخر.. هي لم تبكِّ الوهم الأول لأنه لا يمثل لها سوى تجربة فاشلة انتهت وانتهى معها كل شيء يربطها بها إلا من بعض مناوشات مع الأهل والأصدقاء مفادها أنها خسرت رجلا تتمناه جميع النساء وهي لا تكترث لأقوالهم، هي فقط تكترث لقلبها، تكترث لروحها، وها هي الروح تعزف معه لحنا خرافيا، لحنا أسطوريا، لحنا سوف يبقى بقاء الروح في الجسد، وربما يهيم بعدها في فضاءات الأبدية !
وسط دوامة المشاعر التي اعترتها كان "جاد" قد انتهى من العزف ثم وقف كعادته يحيي جمهوره الصغير بابتسامته الجذابة ونظرته المعتادة قبل أن يغادرهم إلى نفس الباب في تؤدة هي تحسده عليها.
نهضت من مقعدها وبخطوات سريعة كانت تتحرك قاصدة هدفها الذي غادر الباب الخلفي للمطعم وحين وصلت إليه وجدته قد وصل إلى سيارته، وكانت كفه تقبض على أعلى بابها الخلفي إستعدادا للرحيل فنادت عليه بنبرة تحمل لهفة ورجاء:
-أستاذ "جاد".. من فضلك أريد التحدث معك قليلا وأعدك لن أأخرك.
كان على وشك الصعود إلى سيارته لكن صوتها أوقفه، نظر في اتجاهها وابتسم، وحارت هي في تفسير ابتسامته لكنها نحّت الحيرة جانبا و ابتسمت بدورها ثم اقتربت منه حتى ما عاد يفصلهما سوى بضع سنتيمترات قليلة سمحت لها أن تتأمله للمرة الأولى عن قرب.. كان وسيما جذابا، عيناه تحملان نظرة ثابتة تخترق قبلها فتغشاها مشاعر غريبة لكنها مقبولة بالنسبة لها، لا تخشاها بل وكأن قلبها يرحب بها !
-هل أنت نفس الفتاة التي…
-نعم، أنا هي من أرادت الحديث معك ليلة أمس.
سألها فأجابته قبل أن يكمل فعادت ابتسامته مع سؤاله الثاني:
-وماذا تريدين سيدتي؟
السؤال بسيط لكن الإجابة عليه ليست بتلك البساطة؛ هي حقا لا تعرف حتى الآن ماذا تريد منه ولذلك أتى جوابها بعيدا عن هدف السؤال:
-عزفك رائع جدا.
-شكرا لك.
إجابة مقتضبة وابتسامة معتاد هو عليها، ونظرة أبدا لا يتخلى عنها، وهي… هي مبعثرة بين نبرة الثقة في رده، والإبتسامة ذات الألف معنى، وتلك النظرة التي تحتار هي في وصفها !
حاولت أن تخرج من تلك الفوضى وتقول شيئا عاقلا تستبقيه به لكنه هو من تحدث:
-هل ترتدين الأبيض؟
سؤال غريب، صادم، هل يسخر منها؟ لكنه لا يبتسم، سأل في كياسة وكأنه يسأل سؤالا عاديا منتظرا الإجابة عنه وهذا ما جعلها تشك فيما ترتديه ونظرت لنفسها، إنه ثوبها الأسود الأنيق، لقد اختارته اليوم عن عمد، فهي تبدو فيه فاتنة وهذا ما أرادته فهل حقا يسخر منها !
تأملت ملامحه ونظرته الجامدة علّها تجد تفسير لهذا السؤال الغريب لكنه قطع عليها هذا التأمل وهو يقول بهدوء شابه الحزن:
-عن إذنك سيدتي.
قالها قبل أن يصعد إلى السيارة مغلقا بابها فتحركت هي تلقائياً خطوات للخلف بعد أن صفعتها جملته التي أتت لتنهي الحديث الذي بدأه بسؤال غريب وأنهاه برحيل مفاجىء !
لقد بدا لها الأمر كمن رمى حجرا في المياه الراكدة ثم غادر بلا مبالاة غير مكترث بتأثير فعلته !
ليلة أخرى يهرب النوم من عينيها ويكحلها الليل بسواده.. بقيت تقلب صفحات الكتاب الساكن بين يديها والذي لم تقرأ فيه سطرا واحدا ثم تأملت قطتها التي نامت بعد أن يئست منها ليأتي السؤال في ذهنها:
-هل ترتدين الأبيض؟!...
ماذا أراد بهذا السؤال الغريب؟.. هل حقا تعمّد إهانتها؟!.. لكن لماذا يفعل ذلك؟!.. هو لا تبدو عليه صفة الغرور فلماذا يتعمد ذلك؟!.. هل لديه عقدة ما !!
تعب عقلها من التفكير فوضعت الكتاب جانبا ثم ضغطت على زر الضوء لتغرق الغرفة في الظلام وتحتضن هي وسادتها في محاولة فاشلة للنوم الذي يجافيها وعادت تتساءل في صمت:
-هل تذهب الليلة أم تكتفي بما حدث وتنزع تلك الصفحة من كتاب حياتها للأبد؟.. وأتت الإجابة على الفور.. بل ستذهب.. لابد أن تعرف لماذا أهانها بتلك الطريقة دون أن تسبب له أي أذى!
وها هي تجلس في نفس المكان كما اعتادت، وحين رأته يغادر غادرت هي فور مغادرته، لمحته يخرج من الباب الخلفي فنادت عليه وهو استجاب لندائها حين توقف مكانه منتظرا وصولها إليه وحين أصبحت أمامه بدأ هو الحديث:
-مساء الخير سيدتي.
كانت غاضبة وقد أتت تشحذ أسلحتها كي ترد إهانته إن تجرأ تلك المرة وأهانها لكنه فاجأها كعادته .. هي من يجب أن يلقي التحية لكنه من فعل وليس ذلك فقط بل زاد عليها:
-كيف حالك؟
كلماته أخمدت نار الغضب التي اشتعلت منذ الأمس حتى الآن فردت برقة وهي تتأمل ابتسامته:
-بخير .. وأنت؟
-الحمد لله.
سؤال و إجابة و صمت…!
لماذا صمتت لا تعلم، لقد أتى حديثه على غير ما توقعت، هل لام نفسه عما قاله لها في الأمس والآن يعتذر بطريقة غير مباشرة؟.. ربما.. من يعرف !
-نعم سيدتي.
-فريدة.. يمكنك أن تناديني باسمي.
-نعم "فريدة".. قلت لي في المرتين السابقتين أنك تريدين الحديث معي.. تفضلي أنا أسمعك.
عادت الكلمات تهرب منها؛ لماذا كلما سألها ماذا تريدين لا تجد إجابة لهذا السؤال رغم بساطته وكما المرة السابقة بدأت بقولها:
-عزفك رائع جدا ويستحق أن يسمعه الآلاف بل الملايين، فلماذا تبقيه حبيس جدران هذا المكان في حين أنه يجب أن يتردد صداه داخل أشهر المسارح.
-شكرا لمجاملتك.
-العفو.. أنا أقول الحقيقة وليست تلك مجاملة أبدا.
عاد الصمت يسود الموقف وفريدة تبحث عن كلمات وقد نسيت أمر الإهانة والانتقام، إنه يبدو عليه شخص لطيف و بالتأكيد لم يتعمد إهانتها ولا….
-هل ترتدين الأبيض؟
قاطعها و قد عاد سؤاله الغريب، وعادت نظراته الجامدة وتغيرت تعبيرات وجهه فعاد الغضب يتملكها وصرخت به:
-هل تهزأ بي؟ ألا ترى أنني أرتدي الأزرق؟! لكن الحق ليس عليك.. بل علي أنا لأني عدت إلى هنا ولأني أتحدث معك الآن.. أنت شخص مغرور و …
-لا .. لا أرى ..
صفعة جديدة .. فكرت أنه يريد أن يقول لها أنا لا أراك وتلك كانت القشة التي قصمت ظهر البعير.
حرقت الدموع عينيها وهي تشعر بالخزي من كلماته، ابتعدت عنه راكضة فتعثرت وسقطت بقوة فصدرت عنها صرخة متألمة جعلته يتحرك باتجاه الصوت دون حساب لخطواته فسقط هو الآخر وكانت سقطته أكثر ألما منها فإن كانت سقطتها جرحت ساقها فإن سقطته هو مختلفة، لقد جرحت روحه وكبريائه وجعلت غضبه يتصاعد وهو ينهض سريعا قبل أن يصل إليه سائقه الخاص فيسأله بجزع:
-هل أنت بخير سيدي؟
-أنا بخير.. ساعدها.
بصوت حزين أمره أن يذهب إليها لمساعدتها واكتفي هو بالوقوف في مكانه يحاول كبت حزنه وغضبه وهي تتأمله بأعين باكية؛ أخيرا أدركت الحقيقة.. هو حقا لا يرى.. ليست هي فقط من لا يراها، بل هو لا يرى أي أحد ولا أي شيء.. هنا تحول بكائها إلى نحيب وصله وأدرك أنها فهمت أخيرا.
تقبلت مساعدة سائقه فنهضت واقتربت منه بهدوء ثم وقفت أمامه لتقول بحزن عميق:
-آسفه.
-على ماذا تتأسفين؟
تأملته تلك المرة بنظرة مختلفة، تأملت الكبرياء الممزوج بالألم في نظرته الثابتة، وملامح وجهه التي كساها الحزن ثم نزلت لقبضتي يديه المضمومتان بقوة جعلت عروقهما نافرة ثم عادت ترفع عينيها إلى وجهه مرة أخرى فأتاها سؤاله بنبرة مهتمة:
-هل تأذيت؟
-نعم، جُرحت ساقي.
أجابته بصوت باكٍ فلمحت طيف ابتسامة تشق طريقها إلى شفتيه وهو يقول برقة:
-ما كان يجب عليك أن تركضي.
-أنت أيضا ما كان يجب عليك أن تفعل.
قاطعته بجملتها فتغيرت ملامحه وزاد الحزن في عينيه فلم يرد عليها فقالت هي تتدارك الموقف:
-هل تأذيت أنت؟
-لا، أنا بخير ولم تُجرح ساقي.
قالها مبتسما فابتسمت من بين دموعها بحزن، تدرك أنه يحاول الخروج من حالة الأسى وأرادت هي أن تساعده في ذلك رغم أن قلبها يبكي وروحها تنزف لحنا حزينا من أجله.
-هل مازال لديك ما تتحدثين عنه معي؟
سألها وعلمت أن السؤال يحمل أكثر من معنى لذلك أتت إجابتها سريعة:
-نعم بالتأكيد هناك الكثير أريد التحدث معك حوله.
- حسنا يمكنك أخذ رقم هاتفي والاتصال بي متى تشائين.
لم تصدق ما سمعته، فرحتها بأنه بادر بإعطائها رقم هاتفه أسعدتها ورفعت عنها حرجا كبيرا وهي تفكر في طلبه منه.
-كي أطمئن على جرح ساقك.
أكمل جملته بذلك فابتسمت وهي ترى كفه الممدود نحوها فمدت كفها وصافحتها قبل أن تسمعه يقول بهدوء وتهذيب:
-لقد تأخر الوقت ويجب عليك العودة.
-هل تسمح لي أن أتصل بك الليلة؟
-نعم أسمح لك على الأقل أطمئن أنك وصلت إلى بيتك سالمة.
-جاد !
-نعم فريدة !
لا تعرف لماذا نادته باسمه مجردا وهي تراقبه يتحرك مبتعدا عنها، وفرحت جدا لأنه توقف والتفت إليها مجيبا إياها منتظرا منها أن تقول شيئا لكن حيائها فرض الصمت فرأته يبتسم وهو يقول:
-سعدت أنك ناديت اسمي مجردا فأنا حقا أكره الألقاب.
-وأنا مثلك لا أحبها.
وعاد الصمت وعادت هي تبحث عما يمكن أن تقوله فلم تجد سوى:
-سوف أتصل بك فور وصولي للبيت.
-وأنا أنتظر اتصالك "فريدة".
انتهى اللقاء بابتعاد كل منهما، راقبته حتى اختفى داخل سيارته بمساعدة سائقه، ثم تحركت لتستقل سيارتها وتنطلق بها إلى البيت وبداخلها مشاعر كثيرة تتصارع، شعور بالخجل من جرأتها التي تختبرها في نفسها للمرة الأولى.. هل حقا سوف تتصل به وتتحدث معه عن أمور كثيرة؟! هل يمكن أن تخبره عما تحب وتكره وعما يزعجها؟! هل سيصبح جاد صديقا لها أم شيئا آخر؟!.. حقا هي مشتتة، لا تعرف إلى أين سيصل بها الحال معه… لكنها تعرف الآن شيئا واحدا… "جاد" ينتظر اتصالها!
***
تمت
#عزف_الروح
#ربا

تعليقات
إرسال تعليق